قال أبو المظفر السمعاني:"ومما يدل على أن أهل الحديث على الحق أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولها إلى آخرها، قديمها وحديثها، وجدتها مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرًا من الأقطار، في بيان الاعتقاد على وتيرةٍ واحدةٍ ونمطٍ واحدٍ، يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون عنها، قلوبهم في ذلك على قلب واحد، ونقلهم لا ترى فيه اختلافًا ولا تفرقًا في شيء ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء عن قلب واحد وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟ قال الله تعالى: ?أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا? [النساء:82] ، وقال تعالى: ?وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا? [آل عمران:103] " (1) .
فهذا أيضًا من الأسباب العظيمة التي أدت إلى ثبات أهل السنة على الحق، واستقامتهم على العقيدة الصحيحة، وسلامتهم من الانحراف والتلون والتغير.
وهذا الأمر هو آخر النقاط التي أردتُ بيانها، لكنني أقف عنده وقفة أوضح فيها بعض الجوانب من الاعتقاد التي تُبين اتفاق أهل السنة والجماعة على العقيدة، وسيرهم فيها على وتيرة واحدة من أولهم إلى آخرهم، إذا نظرت في كلامهم في هذا الزمان، ونظرت في كلامهم أول الأزمان، في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، تجد ما عندهم شيئًا واحدًا؛ لأنه مأخوذٌ من مشكاة واحدة.
(1) 3. مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (ص:518) .