فهذا شأنُ أهل السنة لا يعرضُ أحدٌ منهم دينه ومعتقده على عقول الرجال وأهوائهم وآرائهم، وإنما يلتزم بما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، على ضوء ما كان عليه سلف الأمة .
وقال ذكوان:"كان الحسن البصري ينهى عن الخصومات في الدين، وقال إنما يُخاصم الشاكُ في دينه" (1) .
أما من ليس عنده في دينه شكٌ فليس له أي حاجة إلى شيءٍ من هذه الخصومات.
وقال هشام بن حسان:"جاء رجلٌ إلى الحسن البصري، فقال: يا أبا سعيد تعالى حتى أُخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرتُ ديني، فإن كنت أضللت دينك فالتمسه" (2) .
أي: اذهب وابحث عن دينك، أما أنا فواثقٌ بديني، مُطمئنٌ له، عارفٌ به، لست بحاجة إلى هذه الخصومات والجدل.
وقال أحمد بن سنان:"جاء أبو بكر الأصم إلى عبد الرحمن بن مهدي فقال: جئتُ أناظرك في الدين، فقال: إن شككت في شيءٍ من أمر دينك فقف حتى أخرج إلى الصلاة، وإلا فاذهب إلى عملك، فمضى ولم يثبت" (3) .
وهذا فيه أن أهل السنة مشغولون بما هم عليه من حق، وبعبادة الله تبارك وتعالى، فقال له: إن شككت في شيء من أمر دينك فقف حتى أخرج إلى الصلاة، أي: أنا مشغول بطاعة الله، أريد أن أُصلي، فقف حتى أخرج إلى الصلاة فلا شأن لي بك، وإلا فاذهب إلى عملك، فمضى الرجل ولم يثبت.
هذه جملةٌ من النقول المفيدة، نقلتها من كتاب الإبانة لابن بطة العُكبُري رحمه الله: وهو كتاب عظيمٌ في بابه، وجميع هذه النقول عن السلف رحمهم الله توضح متانة الدين عندهم، وقوته في نفوسهم، وشدة رعايتهم وعنايتهم به، وعدم تعريضهم له إلى خصوماتٍ أو جدل، أو رأي منحرف، أو نحو ذلك، فكان ذلك من أعظم أسباب ثباتهم على الحق.
(1) 5. الإبانة (2/519) .
(2) 6. الإبانة (2/509) .
(3) 2. الإبانة (2/538) .