الصفحة 20 من 30

حادي عشر: يقينهم التام بهذا المعتقد الذي استقاموا عليه، وبعدُهم عن تعريضه للخصومة والجدل، وهذا جانبٌ غايةٌ في الأهمية للثبات على المعتقد الحق؛ أن يكون صاحبه مقتنعًا به، وأهل السنة لديهم قناعة تامة وثقة كاملة بما هم عليه من دين ومعتقد، ولهذا لم يحتاجوا كغيرهم إلى عرض ما عندهم على آراء الرجال وعقولهم، بينما صاحب الهوى والبدعة تجده يتنقل بين الرجال، يسألهم ويستشيرهم فيما هو عليه من دين؛ لأنه من شك منه وعدم ثقة واطمئنان، أما صاحب السنة فهو على يقين تام، لا يقبل في عقيدته خصومةً ولا جدلًا، فهو مقتنعٌ بها غاية الاقتناع، مطمئنٌ بها غاية الاطمئنان لأن ارتباطه بها ارتباطٌ بكتاب ربه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسنة نبيه الذي لا ينطق عن الهوى، فهو مطمئنٌ غاية الاطمئنان، وواثقٌ غاية الثقة بما عنده من معتقد، لم يحتج في شيء منه إلى عرضه على جدلي أو مُخاصمٍ أو نحو ذلك، بل هو ماضٍ في عقيدته على وتيرةٍ واحدة، وعلى طريق واحد من أول أمره إلى نهايته، لا تردد ولا اضطراب، ولا تنقل ولا ارتياب.

أما أهل الباطل فشأنهم آخر، قال الله تعالى: ?مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ? [الزخرف:58] ، فتجدهم يضطربون ويرتابون، ويعرضون ما عندهم على آراء الرجال وعقولهم، ويُكثرون التنقل في الدين.

وأنقل هنا في هذا المقام جملةً من الآثار عظيمة النفع عن السلف رحمهم الله تعالى:

قال حذيفة لأبي مسعود:"إن الضلالة حق الضلالة، أن تعرف ما كنت تُنكر، وتُنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في دين الله، فإن دين الله واحدٌ" (1) .

وقال عمر بن عبد العزيز:"من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل" (2) .

(1) 1. الإبانة لابن بطة (2/505) .

(2) 2. الإبانة (2/503) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت