تاسعًا: من أسباب ثباتهم على الحق وسلامتهم من الانحراف والتغير: عدم تقديمهم لعقولهم وأذواقهم على ما جاء في الكتاب والسنة، وهذا أمرٌ أيضًا سبقت الإشارة إلى جانبٍ منه، وأنقل هنا كلامًا لأبي المظفر السمعاني، نقله عن التيمي في كتابه الحجة، وابن القيم في كتابه الصواعق، وهو كلامٌ عظيمٌ متين في هذا الباب، يقول فيه السمعاني:"وكان السببُ في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم الاتفاق والإتلاف، وأهل البدع أخذوا الدين من عقولهم، فأورثها التفرق والاختلاف، فإن النقل والرواية من الثقات والمتقنين قل ما تختلف، وإن اختلفت في لفظةٍ أو كلمةٍ فذلك الاختلاف لا يضُرُ في الدين، ولا يقدحُ فيه، وأما المعقولات والخواطر والآراء فقل ما تتفق، بل عقلُ كل واحد أو رأيه وخاطره يُري صاحبه غير ما يرى الآخر" (1) .
فهذا من أسباب ثباتهم: أنهم لا يقدمون عقلًا أو رأيًا أو وجدًا أو ذوقًا، أو نحو ذلك على كتاب ربهم وسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.
وأما أهل الأهواء فإنهم يُقدمون هذه الأمور على الكتاب والسنة، منهم من يُقدم العقل، ومنهم من يُقدم الرأي، ومنهم من يُقدم الذوق والوجد، ومنهم من يُقدم الحكايات والمنامات، ومنهم من يُقدم ما تهواه نفسه على ما أمره به ربه تبارك وتعالى، يتفاوتون ولكل واحد منهم منهجه وطريقه ومسلكه، أما أهل السنة فقد سلِموا من هذه الآفات كلها، وثبتوا على كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، فكان ذلك سببًا عظيمًا من أسباب ثباتهم، ومن أخذ من المنهل الأول والمعين الصافي وجد بقية الموارد كدِرة.
(1) 1. مختصر الصواعق (ص518) .