الصفحة 16 من 30

ثامنًا: من أسباب ثباتهم على الحق واستقامتهم عليه: توسطهم رحمهم الله واعتدالهم، كما قال الله تبارك وتعالى: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا? [البقرة:143] أي: شهودًا عدولًا، فكانوا وسطًا لا غُلو ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط، ولا زيادة ولا نقصان، وتوسطهم هو لزومهم للحق واستقامتهم وثباتهم عليه، ومجنابتهم للطرق المنحرفة، سواء ما كان منها مائلًا إلى الغلو أو إلى الجفاء، فتوسطوا في الحق واستقاموا عليه، وثبتوا عليه بتثبيت الله تبارك وتعالى لهم، فكان هذا سببًا عظيمًا من أسباب ثباتهم، وخيار الأمور أوسطها، لا تفريطها ولا إفراطها، وكلما كان الإنسان متوسطًا معتدلًا كان أحرى بالحق وأولى به.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"إن دين الله بين الغالي والمقصر، فعليكم بالنمرقة الوسطى؛ فإن بها يحلق المقصر، وإليها يرجع الغالي".

والتوسط لا يكون أبدًا إلا بلزوم الحق وعدم الزيادة فيه أو النقص منه، فمن كان كذلك كان أولى بالحق، وأبعد من الانحراف، وأحق بالثبات والسلامة، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم:"القصدَ القصدَ تبلغوا"رواه البخاري (1) ، وقال عليه الصلاة والسلام:"عليكم هديًا قاصدًا، فإنه من يشاد الدين يغلبه"رواه أحمد (2) .

قال ابن القيم رحمه الله:"فدينُ الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الأوسط، الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين، وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطًا، وهي الخيار العدل، لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف والأوساط محميةٌ بأطرافها فخيار الأمور أوساطها" (3) .

(1) 1. صحيح البخاري (رقم:6463) .

(2) 2. المسند (5/350-361) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم:4086) .

(3) 3. إغاثة اللهفان (1/201) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت