فهذا جانب منحرفٌ في العقل، وهو جانب الغلو في العقل ورفعه فوق مكانته، وهناك جانبٌ آخر في العقل منحرفٌ وهو جانب الجفاء، وهذا يكثر في ضُلال المتصوفة وجهالهم الذين ينحون عقولهم جانبًا، ثم يدخلون باسم التصوف إلى أمور يُسمون بعضها بالجذب أو الشحط أو الجنون أو نحو ذلك فيقعون في أنواع قبيحة من الانحرافات لا يقبلُها عقل ولا يرتضيها فكرٌ ويأنف منها كلُ إنسان، يقعون فيها بسبب تنحيتهم الكاملة للعقل.
وأهل السنة رحمهم الله أهل توسط واعتدال، فلا يتجاوزون بالعقل حده، ولا يُنحونه ويُلغونه، بل يضعون العقل في حدوده وأُطُرِه المحددة، وكما أن سمع الإنسان له حدٌ معين لا يمكن أن يتجاوزه، وكذلك بصره وسائر حواسه، فكذلك العقل.
فالعقلُ له حدٌ معين، فمن حاول أن يُقحم عقله في غير حدوده ومجاله يضلُ كما ضل أقوامٌ كثيرون.
ولهذا صحت عقول أهل السنة والجماعة وسلمت من الانحراف؛ لأنهم أعملوها في حدودها المعينة، ولم يهملوها ?إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ? [آل عمران: 191] فهم أولوا الألباب الصحيحة والعقول الراجحة، وضعوا عقولهم في حدها المحدود ومجالها المعين، دون غلو أو جفاء، أو إفراطٍ أو تفريط، أو زيادة أو نقصان، فهذا أمر عظيم كان من أسباب ثبات هؤلاء على الحق.
سادسًا: من أسباب ثبات عقيدتهم في نفوسهم وسلامتها؛ أن نفوس أهل السنة اطمأنت بهذه العقيدة غاية الطمأنينة، يشعر كل واحد منهم براحةٍ في قلبه، وطمأنينةٍ في نفسه، وأُنسٍ وسعادةٍ، بل وفرحٍ ولذةٍ بهذا المعتقد الحق الذي أنعم الله تبارك وتعالى عليه به، وهذا أمرٌ لا يجده أيُ صاحب هوى، وهيهات أن يجده، والله تبارك وتعالى يقول: ?الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ? [الرعد:28] .