لقد أشار العلوي إلى تلك الصعوبة التي بدأت ملامحها تطغى على الدرس البلاغي في عصره، وأصبحت الحاجة داعية إلى التبسيط والتيسير اللذين يأخذان بأيدي الدارسين إلى معرفة مقاصد هذا العلم وفنونه بأيسر الطرائق، وأفضل السبل، وقد عرض لمنزلة علم البلاغة بين علوم العربية، وصعوبة البحث فيه لما فيه من الغموض ودقّة الرموز، ورأى أنّ كثيرًا من علماء البلاغة، وجهابذة البيان قد خاضوا في تقرير قواعد هذا العلم، وقلّبوها على وجوهها كافة، ولكنّهم أتوا فيها بالغثّ والسمين، والنازل والثمين، وهم في ذلك فريقان:"فريق بسط كلامه فيه نهاية البسط، وخلط فيه ما ليس منه، فكانت آفته الإملال، ومنهم من أوجز فيه غاية الإيجاز، وحذف منه بعض مقاصده، فكانت آفاته الإخلال، ولكنّه أشار إلى أنّ الشيخ عبد القاهر الجرجاني هو مؤسّس قواعد هذا العلم، بما أظهر من براهينه، ورتّب من أفانينه، وبما وضّح من غرائبه، ومشكلاته [1] ، وكأنّ العلوي بهذا الإطراء يعلن أنّ عهد البلاغة الزاهر هو في كتابات الجرجاني، التي ارتقت بالذوق الأدبي إلى إدراك البيان، بأيسر الطرائق وأوضحها، وأفضل الوسائل وأقربها إلى العقول والأفهام."
وقد وُفق العلوي إلى حدٍّ كبير في مسعاه ومنهجه، على الرغم من سيطرة النزعة الكلامية، وأسلوب الخطاب السائدين في عصره على جوانب من كتاباته، فقواعد البلاغة معروضة بصورة هي أفضل ترتيبًا وأسلوبًا ومنهجًا ممّا نجده عند السّكاكي، والقزويني، ومن سار على نهجهما من الشرّاح والملخّصين، ومع أنّه لم يطّلع على كتابي عبد القاهر الجرجاني"الدلائل"و"الأسرار"، إلاّ أنّه كان معجبًا بهما، وقد أفاد ممّا نُقل منهما في الكتب التي اطّلع عليها، وخاصّة كتاب المثل السائر لابن الأثير.
(1) . نفسه: ج 1 ص 4.