الصفحة 43 من 55

... وقد عُرف عن ابن الأثير افتخاره وإعجابه بنفسه، وذلك راجعٌ فيما يبدو لحرصه الشديد على الاجتهاد والإبداع في مجال البلاغة وفن الكتابة، وقد ظهر في عصر عُرف بالتبعية والتكرار لنظريات السابقين، ثمّ لسعيه الحثيث إلى التيسير والتبسيط لتلك المسائل البلاغية التي غلبت عليها مناهج المتكلّمين، قال في مقدّمة كتابه عن تلك الإضافات التي أضافها:"وقد أوردتها هاهنا وشفعتها بضروبٍ أخر مدوّنة في الكتب المتقدّمة، بعد أن حذفت منها ما حذفته، وأضفت إليها ما أضفته، وهداني الله لابتداع أشياء لم تكن من قبلي مبتدعة" [1] .

... لقد عدّ كتاب المثل من أمّهات كتب البلاغة لأنّه درس فنون البلاغة دراستين: إحداهما: دراسة قاعدية فيها تحديد للمصطلحات مع تصحيح لأخطاء السابقين، وثانيهما: دراسة نقدية كشف فيها عن العيوب التي يقع فيها مستعملو تلك المسائل في أدبهم وكتاباتهم [2] .

... إنّ نفور ابن الأثير من الأسلوب القاعدي الشبيه بمناهج الفلاسفة والمتكلّمين قد جعل لدرسه البلاغي مَيزة خاصّة، وذلك بالعودة إلى النصّ الأدبي وتحكيم الذوق في فهمه، فالذوق هو في رأيه وحده الكفيل بتحقيق النفع، لأنّ الدُربة والإدمان عليه أجدى للدارس نفعًا، وأهدى له بصرًا وسمعًا [3] ، وبهذا المنهج كان ابن الأثير أحد المجدّدين في درسه للبلاغة، وأحد الذين أسهموا في تهذيبه وتيسيره وتقريبه للدارسين في القرن السابع الهجري.

(1) . المثل السائر: ج1 ص 37.

(2) . انظر مقدمة محقق المثل السائر: ج1 ص 23.

(3) . انظر المثل السائر: ج1 ص 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت