بذل علماء البلاغة الأقدمون جهودًا كبيرةً في صياغة القواعد والنظريات التي تشكلّ بها علم البلاغة وتطوّر على مدى الأجيال، إلى أن أصبح من علوم العربية الأساسية التي لا يستغني عنها الدارس الراغب في اكتساب ملكة البيان والفصاحة، وموهبة فهم النصوص وإدراك أسرارها الجميلة، وبسبب دقّة مسائله، ووعورة مذاهبه فقد عُني العلماء بتيسيره للدارسين، وقد اشتهر منهم القزويني الذي يمثّل المدرسة الكلامية، وابن الأثير الذي يمثّل المدرسة الأدبية، والعلوي الذي جمع بين المدرستين، وسنتحدّث هنا بإيجاز عن أبرز الإضافات التي أضافها هؤلاء في هذا الاتجاه، مع التركيز على جهود الإمام العلوي الذي مازال منهجه - في رأينا - بحاجة إلى دراسة وبيان.
كان ابن الأثير ثائرًا على الفلسفة وعلم الكلام، وأراد بكتابه الشهير"المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"تقويم المنهج البلاغي بالعودة إلى دراسة الأدب بنصوصه الجميلة، واعتماد الذوق حاكمًا على معرفة الجمال بدل اللجوء إلى القواعد والأحكام النظرية.
... امتاز كتاب المثل السائر بخصائص ومميّزات كثيرة جعلت منه مصدرًا أساسيًا للبلاغة والنقد في القديم، وقد اقتربت مسائله إلى حدٍ ما من البلاغة والنقد الحديثين، فقد كانت نظرة ابن الأثير إلى المباحث والموضوعات البلاغية، وأسلوبه في تناولها قائمين على استخدام الذوق والتجربة الشخصية دون التسليم المطلق بالأحكام النظرية المجرّدة [1] ، فهو يتعامل مع النصوص تعامل الناقد والمحلّل لها، ويستثمر ذلك كلّه في تذوّق جمالها وتدريب الدارسين على معرفة المهارات البلاغية واكتسابها عن طريق معايشة الأدب لا القواعد الجافة.
(1) . انظر رجب، رفيقة عبد الله، العناصر الأسلوبية في كتاب المثل السائر لابن الأثير، رسالة ماجستير (مخطوط) ، مكتبة كلية الآداب ، جامعة عين شمس، 1989، ص 19.