يمثّل الشاهد القرآني أحد أبرز الشواهد البلاغية وأكثرها حضورًا في كتب البلاغة الأصلية، ولم يكتف البلاغيون بالشاهد القرآني الذي عدوه في أعلى مستويات البلاغة، وإنما اختاروا من نصوص الأدب شعره ونثره ما يكون منسجمًا مع نظرياتهم ومسائلهم البلاغية المتعلّقة بالألفاظ والمعاني، والنظم والتراكيب، وقد لوحظ أنّ مثل هذه النصوص الأدبية التي نجدها في بلاغة عبد القاهر ومن سبقه من البلاغيين والنقاد قد قلّت وانحصرت في بلاغة المتأخرين بعد السكّاكي، وسبب ذلك غلبة المادة النظرية على المادة الأدبية، ومع ذلك كلّه فقد نبه بعض البلاغيين على أهمّية العناية بالشواهد والنصوص الأدبية في تيسير الدرس البلاغي، فكان السعي إلى الإكثار منها وتحليلها، وتنويعها وتجديدها، واشتهر منهم في هذا الاتجاه ابن الأثير الذي ذاع صيته بصنيعه في كتابه المثل السائر، ثمّ تبعه العلوي الذي كان له منهج خاص في انتقاء النصوص، والعناية بها شرحًا وتحليلًا وتذوقًا.
وأشار أحمد مطلوب إلى أنّ البلاغيين المتأخرين أدخلوا نصوصًا جديدة في كتبهم، ولذلك فقد كان نمو البلاغة العربية في القديم ملمحًا من ملامح حيويتها وقدرتها على استيعاب الجديد، فضلًا على أنها لم تتوقف عند عصر الاستشهاد في الأمثلة التي ذكرتها، وإنما تجاوزته وواكبت الأدب، وفي البديعيات نصوصٌ جديدة لم تذكرها كتب البلاغة الأولى، وهي نصوص تمثل العصر الذي أُلفت فيه، وقد استخرج البديعيون منها فنونًا جديدة وهي على الرغم مما قيل فيها صورة لأدب تلك العهود [1] .
ثالثًا: جهود ابن الأثير والقزويني والعلوي في تيسير البلاغة:
(1) . تيسير البلاغة، مجلّة مجمع اللغة العربية بدمشق، ج 4 مجلد 73 ، سنة 1998م، ص 880.