و مفهوم الكذب و الصدق عند قدامة قد عبر عنه بقوله"و الكذب إثبات شيء لشيء لا يستحقه ، أو نفى شيء عن شيء يستحقه ، و الصدق ضد ذلك ، و إثبات شيء لشيء يستحقه أو نفى شيء عن شيء لا يستحقه" (1) .
و ممن عالج موضوع الخبر كذلك ابن فارس في كتابه"الصاحبي في فقه اللغة و سنن العرب في كلامها".
المطلب الثاني: تعريف الخبر عند البلاغيون:
الخبر هو ما يصح أن يقال لقائله إنه صادق فيه أو كاذب فإن كان الكلام مطابقا للواقع كان قائله صادقا ، و إن كان غير مطابق له كان قائله كاذبا ، و الخبر كلام يحتمل الصدق و الكذب لذاته و إن شئت فقل"الخبر هو ما يتحقق مدلوله في الخارج بدون النطق به"نحو: العلم نافع ، أثبتنا صفة النفع بالعلم ، وتلك الصفة ثابتة له ( سواء تلفظت بالجملة السابقة أما لم تتلفظ ) لأن نفع العلم أمر حاصل في الحقيقة و الواقع ، و إنما أنت تحكى ما اتفق عليه الناس قاطبة ، و قضت به الشرائع ، وهدت إليه العقول .
و يقول البلاغيون: إن احتمال الخبر للصدق و الكذب إنما يكون بالنظر إلى مفهوم الكلام الخبري ذاته ، دون النظر إلى المخبر أو الواقع ، إذ لو نظرنا عند الحكم على الخبر بالصدق أو الكذب إلى المخبر أو الواقع ، لوجدنا أن من الأخبار ما هو مقطوع بصدقه لا يحتمل كذبا، و ما هو مقطوع بكذبه لا يحتمل صدقا .
فمن الأخبار المقطوع بصحتها و لا تحتمل الكذب البتة أخبار الله تعالى ، أي كل ما يخبرنا الله به ، و أخبار رسله ، و البديهيات المألوفة من مثل ، السماء فوقنا و الأرض تحتنا ، و ماء البحر ملح و ما النهر عذب .
و من الأخبار المقطوع بكذبها و لا تحتمل الصدق الأخبار المناقضة للبديهيات ، نحو: الجزء أكبر من الكل ، و الأسبوع خمسة أيام ، وكذلك الأخبار التي تتضمن حقائق معكوسة ، نحو"الأمانة رذيلة و الخيانة فضيلة".