و مثال ذلك أيضا قولك لمن يعق والديه و لا يطيعهما:"إن بر الوالدين لواجب"، فالمخاطب بهذا الكلام لا ينكر أن بر الوالدين واجب و لا يداخله شك في ذلك . و كان مقتضى الظاهر أن يلقي إليه الخبر ، و لكن عقوقه لوالديه، و غلظته في معاملتهم ، وعدم إطاعتهم ، كل ذلك اعتبر من علامات الإنكار و لذلك نزل منزلة الجاحد المنكر و ألقي الخبر إليه مؤكد بمؤكدين و جوبا ، خروجا عن مقتضى الظاهر:
و مثاله أيضا من الشعر قول حجل بن نضلة القيسي:
جاء شقيق عارضا رمحه إن بني عمك فيهم رماح
فشقيق هذا الرجل لا ينكر رماح بني عمه ، و لكنه مع ذلك يأتي إليهم عارضا شاهرا رمحه مدلا بنسفه و شجاعته عليهم كأنه يعتقد أنهم عزل من السلاح . فمجيئه على هذه الحال علامة على إنكاره وجود السلاح مع بني عمه، و لذلك أنزل منزلة المنكر، و بالتالي ألقي الخبر إليه مؤكدا و قيل له: إن بني عمك فيهم رماح.
3 )أن يجعل المنكر كغير المنكر، أن كان لديه شواهد وأدلة لو تأملها لعدل عن إنكاره.
و مثال ذلك قول تعالى: { وإلهكم إله واحد } ففي هذه الآية الكريمة نرى الله جل شأنه يوجه الخطاب إلى المنكرين لوحدانيته ، و كان مقتضى الظاهر يوجب إلقاء الخبر على المنكرين مؤكدا ، و لكننا نرى الخبر في الآية قد خرج عن مقتضى إلى غير المنكرين ، فما السبب في ذلك ؟
السبب أن بين أيدي المنكرين لوحدانية الله من الأدلة الساطعة و الشواهد المقنعة ما لو تدبروه و عقلوه لزال إنكارهم و لحل محله اليقين و الاقتناع بوحدانية الله ، و لذلك لم يكترث الله بإنكارهم عند توجيه الخطاب إليهم ، و أنزل هؤلاء المنكرين منزلة غير المنكرين لوجود الدلائل التي لو تأملها المنكر لاقتنع و كف عن إنكاره .
و أمثلة هذا النوع كثيرة ، كأن تقول لمن يجحد فضل العلم:"العلم نافع"، و لمن ينكر ضرر الجهل:"الجهل ضار"و لمن ينكر ما يسببه الفراغ من الفساد و الإفساد:"الفراغ مفسدة"، و هكذا ...