و بعد فلعلنا نرى في الأمثلة الكثيرة التي أوردناها عن أضرب الخبر و عن خروج الكلام عن مقتضى الظاهر ما يوضح لنا القيمة البلاغية لأساليب الخبر المختلفة، تلك القيمة التي تستمد عناصرها دائما من"مطابقة الكلام لحال المخاطبين".
المطلب الثاني:أغراض الخبر البلاغي:
عرفنا مما سبق أن الأصل في الخبر أن يلقي لغرضين هما: فائدة الخبر ، و لازم الفائدة ، كما عرفنا أن المتكلم في كل منهما يهدف من وراء الخبر إلى اعلام المخاطب شيئا لا يعرفه ، سواء أكان هذا الشيء هو مضمون الخبر أو علم المتكلم بمضمونه .
و تجدر الإشارة هنا إلى أن الخبر ليس مقصورا على هذين الغرضين الأصليين ، فالواقع أنه بالإضافة إليهما قد يلقى الخبر لأغراض أخرى بلاغية تفهم من السياق و قرائن الأحوال . و من هذه الأغراض التي يخرج الخبر عن غرضيه الأصليين إليها:
1 )إظهار الضعف: و ذلك نحو قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام: { رب إني وهن العظم مني و اشتعل الرأس شيبا } ، و قول الشاعر:
إن الثمانين، و بلغتها، قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
و قول المتنبي في وصف مرضه:
عليل الجسم ممتنع القيام شديد السكر من غير المدام
و قول شاعر مريض يقارن بين حاله و حال آخر معافى من المرض:
الخطى عندك ، إذ تقصرها ، وثب وقفز
و الخطى عندي إذ وسعها، ضعف و عجز
2 )الاسترحام و الاستعطاف: نحو قول إبراهيم بن المهدي مخاطبا المأمون:
أتيت جرما شنيعا و أنت للعفو أهل
فإن عفوت فمن و إن قتلت فعدل
و قول المتنبي و هو في محبسه مستعطفا السلطان:
دعوتك عند انقطاع الرجاء و الموت مني كحبل الوريد
دعوتك لما براني البلاء و أوهن رجلي ثقل الحديد
و قول شاعر أخر:
فمالي حيلة إلا رجائي لعفوك إن عفوت و حسن ظني
يظن الناس بي خيرا و إني لشر الناس إن لم تعف عني
3 )إظهار التحسر على شيء محبوب: نحو قول المتنبي في رثاء جدته: