فالمتأمل في هذه الآية الكريمة يجد أم المخاطب به خالي الذهن من الحكم أو من مضمون قوله تعالى: { إن النفس لأمارة بالسوء } ، و لكن هذا الحكم لما كان مسبوقا بجملة و ما أبرئ نفسي ، و هي في مضمونها تشير إلى أن النفس محكوم عليه غير محبوب أو مرغوب فيه ، أصبح المخاطب بقوله تعالى { إن النفس لأمارة بالسوء } متطلعا إلى نوع هذا الحكم ، الذي يجهله و لا يدري حقيقته ، و من أجل ذلك نزل هذا المخاطب منزلة المتردد الشاك ، و ألقي إليه الخبر مؤكدا استحسانا .
و من أمثلة هذا النوع من التنزيل قول تعالى: { ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم } .
و قوله تعالى: { و صل عليهم إن صلاتك سكن لهم } و قوله تعالى أيضا: { و لا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } .
و من أمثلته في الشعر قول عنترة:
الله در بني عبس لقد نسلوا من الأكارم ما قد تنسل العرب
و قول أبي الطيب المتنبي:
ترفق أيها المولى عليهم فإن الرفق بالجاني عتاب
2 )أن يجعل غير المنكر كالمنكر لظهور أمارات الإنكار عليه. و مثال ذلك قول تعالى: { ثم إنكم بعد ذلك لميتون } ، فالمخاطبون بهذه الآية الكريمة لا ينكرون حقيقة الموت بالنسبة للإنسان ، و إنه مهما طال أجله فإن مصيره إلى الموت و الفناء ، و على ما يقضيه الظاهر كان يجب أن يلقي الكلام إليها خاليا من التأكيد ، و لكننا مع ذلك نرى أن الكلام قد خرج عن مقتضي الظاهر و ألقي إليهم مؤكدا . فما السبب في ذلك ؟
السبب ظهور أمارات الإنكار عليهم ، فإن نسيانهم للموت و تكالبهم على مطالب العيش كأنهم مخلدون أبدا ، و عدم بذلهم في الحياة الدنيا ما ينفعهم في الآخرة كل هذه بداور منهم تدل على إنكارهم لحقيقة الموت ، من أجل ذلك نزلوا منزلة المنكرين ، و إلقي الخبر إليهم مؤكد بمؤكدين هما ،"إن"و"ولام الابتداء".