ومن هنا نشبَ النِّزاعُ مع الذين ينسبون إلى الله الجهة، فإنهم أخطأوا في تعريفهم للجهة فقالوا: هي النسبةُ بين شيئين، والشيء يشمَلُ كلَّ موجود، سواء أكان جسمًا أم غيرَ جسم، وهذا الفَصْل وهو الشيئيَّة في التعريف لا نقول إنه خطأ، ولكن نقول إنه فَصْلٌ بعيدٌ وليس دقيقًا، فلا بدَّ من بيان أن الشيء المراد هنا هو الجسم، وكلما بَعُدَ الفَصْلُ المُميِّزُ للجِنس صار التعريفُ أضعَفَ وأغمَضَ، ولذلك نقول: إن الفَصْلَ الأقربَ في التعريف هو كونُ النِّسبة بين جسمين، والدليل على صِدقِ هذا الفَصْل أننا نقول لهم: إن العِلم مع أنه شيءٌ في العالِم، ومع ذلك لا يُقال إنه في جهةٍ منه، إلى غير ذلك من النِّسَبِ الموجودة التي لا تُوصَفُ بالجهة.
فدل ذلك على أن لفظ الجهة مختصٌّ بما كان بين جسمين، والله ليس جسمًا، فلا يُوصَفُ إذًا بكونه في جهةٍ أبدًا، ولو فُهِمَ هذا المفهومُ وغيرُه بهذه الطريقة لا يكون هناك مجال للوقوع في مثل هذه الأخطاء، ولذلك قالوا: إن المنطقَ آلةٌ قانونيَّةٌ تَعصِمُ مُراعاتُها الذِّهْنَ عن الوقوع في الخطأ.
ومن جهة أخرى تعالَوا نُطبِّق مفهومَ التلازُم على معنى الجهة، فسنُلاحِظُ أن الجهةَ والحيِّزَ متلازِمان، فأينما كانت جهةٌ كان هناك لزومًا حيِّز، والحيِّز هو أيضًا من لوازم الأجسام، ولكن للأسف بعضُ الناس يتجاهلُ هذا التلازُمَ بين الجهة والحيِّز بقوله: هذا الكلامُ في حقِّ الأجسام، ولكن لا يصحُّ هذا التلازم في حقِّ الله. والجواب: أن هذا اللزومَ بَيِّنٌ، ولا يُتصوَّرُ انفِكاكُ الجهة عن الحيِّز، كما لا يُتصوَّرُ الانفِكاكُ بين الزوجيَّة والأربعة.
* أقسام التعريف:
أولًا: الحدُّ التامُّ: