يدعي بعض القادة أنه يَودُّ توزيع السلطات، ويرغب أن يشاركه الآخرون تحمل أعباء المسؤوليات، لكنه مضطر لئلا يفعل ذلك، بسبب عدم وجود الكفاءة المناسبة فيمن حوله، ونقص الأهلية المطلوبة فيهم، لذلك فهو يتمسك بجميع مقاليد الأمور، ويتحكم في معظم الشؤون، ويقبض مفاتيحها بيده ، فيجمع بين وظيفتين أو أكثر لنفسه كأن ذلك العمل العام ملك خاص له، مسجل باسمه ، لا يحب الخير فيه إلا شخصه، ولا يخاف على انهيار البناء سواه، ونسى ذلك القائد أنه ما ولد عالمًا ومجودًا بل أنه تعلم وتدرج وأصاب وأخطأ، وغيره يحتاج إلى إعطاء فرصة، وإلى منح مهلة، كما يتمنى توظيفًا مناسبًا له، واشعارًا بالثقة فيه وذلك كي يتعلم ويتدرب [النساء: 94] . وبعض هؤلاء القادة يوزع السلطات توزيعًا صوريًا ويشارك الآخرين مشاركة ظاهرية فلا يعطيهم حرية اتخاذ القرار ولا يمنحهم فرصة الابتكار والإبداع والتجديد بل يلزمهم برأيه ويوجب عليهم الرجوع إليه في كل صغيرة وكبيرة قال الماوردي في هذا الشأن:"لا بُدَّ للملك مع ذلك من الاستعانة بالأخص الأخص من خدمه في مهمات أعماله ، من جباية أموال المملكة وتفريقها على الجيوش وفي سبيل الحقوق، ولا بد في إقامة المملكة والولايات العظيمة من وزراء وخلفاء وكتاب وأصحاب جيوش وعارضين وأصحاب شُرط ونقباء وأصحاب حرس وأصحاب أخبار وولاة وقضاة، فليجتهد الملك في اختيار هذه الطبقات من أهل الكفاية، والاستقلال، والشهامة، والأمانة، والعفة، والديانة، والعقل، والأصالة" [1] .
(1) أبو الحسن علي محمد بن محمد بن حبيب الماوردي - نصيحة الملوك - تحقيق خضر محمد خضر - مكتبة الفلاح - الكويت - 1403هـ 1983م - ص 185.