قد يقول قائل: إن في ثبات العامل في موقعه مدة طويلة، مظنة أن يؤدي به ذلك إلى تكوين مركز قوة ونفوذ يجعله يتحدى به قرارات الدولة أو يخالفها، وذلك مثلما حدث في التاريخ الإسلامي الأول ، إذ بقي معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - مدة سبعة عشر عامًا واليًا على منطقة الشام، وهي منطقة هامة واسعة الأرجاء، تشمل الآن: الأردن وسوريا ولبنان وفلسطين، حتى استقرت جذوره عليها، وثبت أوتاده فيها، فلم يبق داخل سلطان المركز الرئيسي للدولة، بل أصبح المركز الرئيسي معتمدًا عليه خاضعًا له، وقد قاتل الحكومة المركزية وفي وقت من الأوقات [1] .
نقول في الجواب عن هذه الشبهة، إن بقاء معاوية - رضي الله عنه - كل هذه المدة لم يكن عملًا موفقًا، فقد كان ينبغي أن يحول لمكان آخر بعد عدة سنوات، كما كان يفعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع عماله في الأقاليم المختلفة.
قال الأستاذ المودودي في هذا الشأن:"لم يكن تعيين معاوية حاكمًا على إقليم بعينه قرابة سبعة عشر عامًا غير جائز شرعًا، إنما كان بالضرورة عمل غير سليم من ناحية التخطيط، أنا لا أقول أن يعزل اعتباطًا وجزافًا دون تقصير يبدر منه، إنما كان يكفي تغييره بعد بضعة أعوام وإحلال آخر محله، وتنصيبه على إقليم آخر، وهكذا حتى لا يقوى مركزه، فيقاتل الحكومة المركزية في وقت من الأوقات" [2] .
(1) انظر: أبو الأعلى المودودي: الخلافة والملك، تعريب أحمد إدريس، دار القلم، الكويت، الطبعة الأولى، 1398هـ ـ 1978م، ص 70.
(2) المرجع السابق نفسه، ص 223.