بيد أن العجيب: أن ابنة أبِي بكر تحت رسول الله ج، ولَم يَمنع ذلك أبا بكر من معرفة ما عزم عليه النَّبِي ج، بل إنه ج أَعْلَمَ أبا بكر -والد زوجته- قبل أن يُعلم عمرَ، الذي سيكون الكلام معه فِي الخطبة.
وفِي ذلك يقول ابن بطال: $كان إسرار النَّبِي ج تزويج حفصة لأبِي بكر على سبيل المشورة، أو لأنه علم قوة إيْمان أبِي بكر، وأنه لا يتغير بذلك؛ بكون ابنته عند النَّبِي ج، وكتمان أبِي بكر لذلك؛ خشية أن يبدو للنَّبِيِّ ج فِي نكاحها أمر، فيقع فِي قلب عمر ما وقع فِي قلبه لأبِي بكر# [1] .
على أن وجْدَ عمر وتأثره مما جُبلت عليه الطبائع البشرية، وهو تأثر محدد مؤقت، لا يجرُّ إلَى منكر من القول أو الفعل، أما وَجْدُهُ أكثر على أبِي بكر؛ فَلِمَا كان بينهما من أكيد المودة؛ ولأن النَّبِي ج كان آخى بينهما؛ ولكون أبِي بكر سكت ولَم يُعد جوابًا بينما اعتذر عثمان -رضي الله تعالَى عنهم جميعًا-.
والحديث صريح الدلالة -كما يقول الحافظ فِي الفتح-: $على جواز عرض الإنسان بنته وغيرها من مولياته على من يعتقد خيْرَه وصلاحه، وأنه لا استحياء فِي ذلك، وأنه لا بأس بعرضها عليه ولو كان متزوجًا؛ لأن أبا بكر كان حينئذٍ متزوجًا# [2] .
فالمهم: أن يكون كُفْئًا صالِحًا.
ونستفيد كذلك من الحديث: أنه ينبغي على من عُرض عليه الزواج أن يقدر الولِيَّ العارضَ حق قدره، ويحمدَه على ذلك ويشكره؛ لاقتدائه بالسلف الصالح فِي هذا العرض؛ ولإحسانه الظن به حين عرضَ موليته عليه، فإذا لَم يرغب فِي المعروضة عليه؛ فليتلطف فِي الاعتذار للولِيِّ العارض؛ لئلا يعطلَ المرأةَ عن غيره.
(1) عمدة القاري: (16/307) .
(2) فتح الباري: (9/83) .