الصفحة 17 من 28

قال ابن أبِي وداعة: فنَزلوا هم إليها، وبلغَ أمي، فجاءت، وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلَى ثلاثة أيام. قال: فأقمتُ أيام، ثُمَّ دخلت بِها، فإذا هي من أجمل الناس، وإذا هي أحفظُ الناس لكتاب الله، وأعلمُهُم بسنةِ رسول الله ج، وأعرفهم بحق الزوج، فمكثت شهرًا لا يأتينِي سعيد، ولا آتيه، فلما كان قُرْب الشهر؛ أتيت سعيدًا وهو فِي حلقته، فسلمتُ عليه، فردَّ عليَّ السلام، ولَم يكلمْنِي حَتَّى تَقَوَّضَ أهلُ المجلس، فلما لَم يبقَ غيري؛ قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: خيرًا يا أبا مُحَمَّد، على ما يُحب الصديق، ويكره العدو. قال: إن رابك شيء فالعصا.

قال ابن أبِي وداعة: فانصرفتُ إلَى منْزلي، فوجه إلَيَّ بعشرين ألف درهم!.

قال الراوي عبد الله بن سليمان: وكانت بنتُ سعيدِ بن المسيب خطبها عبدُ الملك بن مروان -الخليفةُ الأمَوي- لابنه الوليد بن عبد الملك حين ولاه العهد، فأبَى سعيد بن المسيب أن يزوجه، فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حَتَّى ضربه مائة سوط فِي يوم بارد، وصبَّ عليه جرة ماء، وألبسه جبة صوف# [1] .

إن هذه القصة مليئة بالعظات والعبر، وتعكس يُسْرَ حياة السلف وهدوءها وهناءها، ولا أقول: متَى نرجع إلَى ما كانوا عليه؟ وإنَّما أقول: متَى نرتقي إلَى ما كانوا عليه حَتَّى نسعد بالحياة كما سعدوا؟.

وقد قيل لأبي عثمان النيسابوري: ما أرجى عملك عندك.

قال: كنت في صبوتي يجتهد أهلي أن أتزوج فآبي.

فجاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان إني قد هويتك، وأنا أسألك بالله أن تتزوجني.

فأحضرت أباها -وكان فقيرًا- فزوجني منها وفرح بذلك.

فلما دخلت إليها رأيتها عوراء عرجاء مشوه.

وكانت لِمحبتها لي تَمنعنِي من الخروج، فأقعد حفظًا لقلبها، ولا أظهر لها من البغض شيئًا، وكأني على جمر الغضا من بغضها.

(1) حلية الأولياء: (2/167) ، سير أعلام النبلاء: (4/233) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت