الصفحة 16 من 28

أخرج أبو نعيمٍ فِي"حليةِ الأولياء"، والذهبِيُّ فِي"سير أعلام النبلاء"عن كثير بن المطلب بن أبِي وداعة قال: $كنتُ أجالسُ سعيدَ بن المسيب، ففقدنِي أيامًا، فلما جئته، قال: أين كنت؟ قلتُ: تُوفِيَت أهلي؛ فاشتغلت بِها -يعنِي: بتجهيزها وغسلها ودفنها-. قال سعيد: ألا أخبَرتَنا فشهدناها. ثُمَّ قال: هل استحدثتَ امرأة؟ لا ينبغي للرجل أن يجلس بدون زوجة، لاسيما هذا الزمان. فقلتُ: يرحمك الله، ومن يزوجنِي وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟‍‍‍! قال: أنا. فقلت: أوتفعل؟! قال: نعم. ثُمَّ تَحمَّد سعيدٌ، وصلى على النَّبِي ج، وزوجنِي على درهمين أو ثلاثة، فقمتُ وما أصنعُ من الفرح، فصرتُ إلَى منْزلي، وجعلتُ أتفكرُ فيمن أستدين، فصليتُ المغربَ إلَى منْزلي، وكنتُ وحدي صائمًا، فقدمت عشائي أُفطر، وكان خبزًا وزيتًا، فإذا بابِي يُقرع.

فقلتُ: من هذا؟

فقال: سعيد.

قال ابن أبِي وداعة: فأفكرت فِي كل واحد اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب، فإنه لَم يُرَ أربعيْن سنة إلا بيْن بيته والمسجد، فخرجتُ، فإذا سعيدُ بن المسيب، فظننت أنه قد بدا له -يعنِي: أنه راجع أمر زواج ابنته-، فقلت: يا أبا مُحمَّد، ألا أرسلت إلَيَّ فآتيك؟

قال: لا، أنت أحقُّ أن تؤتى، إنك كنت رجلًا عزبًا، فتزوجت، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك.

فإذا هي قائمةٌ من خلفه فِي طوله، ثُمَّ أخَذَ بيدِها، فدفَعَها فِي الباب، وردَّ الباب، وانصرف، فسقطت المرأةُ من الحياء، فاستوثقتُ من الباب، ثُمَّ وضعتُ القَصعةَ فِي ظل السراج لكي لا تراه، ثُمَّ صعدت إلَى السطح، فرميتُ الجيران، فجاءونِي.

فقالوا: ما شأنك؟

قلت: ويحكم! زوجنِي سعيد بن المسيب ابنته اليوم، وقد جاء بِها على غفلة.

فقالوا: سعيد بن المسيب زوجك؟!

قلت: نعم، وهاهي فِي الدار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت