هكذا يكون المؤمن؛ إذا كان ما يبغضه أمر عندك من الصبر. ذكر أن ابن عمر مرة كان في سفر، فمر براعي غنم ومعه زمارة يزمر بها لغنمه؛ فسد أذنيه؛ حتى لا يسمع صوت الزمارة، وما زال يمشي إلى أن ابتعد، فقال لنافع هل تسمع صوتها؟ قال: لا. فعند ذلك فتح أذنيه. هناك من يتلذذ بصوتها؛ صوت المزامير ونحوها، ولكن المؤمن حقا يتأفف منها، وينفر منها، ولا يحبها. لا شك أن هذا دليل على أن الله إذا حبب إلى الإنسان الإيمان؛ كره إليه الكفر والفسوق والمعاصي.
{ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } الرشد: ضد الغي، الإنسان إما راشدا وإما غاويا؛ يقول الله تعالى: { قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } [ سورة البقرة، الآية: 256 ] فجعلهما متقابلين، وذكر أن هناك من يؤثر الغي؛ يقول الله تعالى: { وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا } [ سورة الأعراف، الآية: 146 ] فأهل الرشد: هم أهل الرشاد المسترشدون، الذين أرشدهم الله يعني: دلهم وهداهم، وأهل الغي هم المنحرفون ...
فالله تعالى جعل هؤلاء من الراشدين؛ فكل من آمن بالله إيمانا كاملا، وأحب الإيمان وامتلأ به قلبه، وكره الكفر والفسوق والمعاصي؛ فإنه حري أن يوصف بالرشد؛ أن يكون من الراشدين.
ثم قال: { فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم } ؛ دل على أن هذا فضل الله؛ أنه تفضل على عباده، ولما تفضل عليهم كان من آثار هذا الفضل أنه: حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم.
الفضل والتفضل: هو المن على من يشاء، تفضل عليكم يعني: من عليكم؛ من عليكم بأن: