الصفحة 21 من 58

"لما توهموا أن الإيمان الواجب على جميع الناس نوع واحد، صار بعضهم يظن أن ذلك النوع من حيث هو لا يقبل التفاضل، فقال لي مرة بعضهم: الإيمان من حيث هو إيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، فقلت له: قولك من حيث هو، كما يقول: الإنسان من حيث هو إنسان، والوجود من حيث هو وجود، وأمثال ذلك لا يقبل الزيادة والنقصان، فيثبت لهذه المسميات وجودًا مطلقًا مجردًا عن جميع القيود والصفات، وهذا لا حقيقة له في الخارج، وإنما هو شيء يقدره الإنسان في ذهنه، وكذلك إذا قيل: إيمان زيد مثل إيمان عمرو، فإيمان كل واحد يخصه، فلو قدر أن الإيمان يتماثل، لكان لكل مؤمن إيمان يخصه، وذلك الإيمان مختص معيّن، وذلك الإيمان يقبل الزيادة، والذين ينفون التفاضل في هذه الأمور يتصورون في أنفسهم إيمانًا مطلقًا مجردًا عن جميع الصفات المعينة له، ثم يظنون أن هذا هو الإيمان الموجود في الناس، وذلك لا يقبل التفاضل، ولا يقبل في نفسه التعدد.. (1) "

والمقصود أن منشأ الاشتباه عند الطحاوي ههنا أن ما قرره من تساوي أهل الإيمان في أصله، إنما ذلك يفترض في الذهن، وأما خارج الذهن فأهل الإيمان متفاضلون.

30 -قال الشارح:-"ولهذا - والله أعلم- قال @:-"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"الحديث. فهو حين يزني يغيب عنه تصديقه بحرمة الزنى، وإن بقي أصل التصديق في قلبه، ثم يعاوده (2) "

فاقترافه الزنى ناشيء عن ضعف قول القلب وهو التصديق كما قرر الشارح، أو بسبب ضعف عمل القلب وهو بغض ما يبغضه الله تعالى، كما بيّنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:-

(1) . الإيمان صـ 388، 389 = باختصار

(2) . شرح الطحاوية 2/468 [195]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت