الصفحة 9 من 54

... فمجيء الفعل المضارع في الحالة هذه خارجًا عن النسق العام للسياق يؤدي إلى توليد بارزتين في السياق، دلالة نحوية متمثلة في الفعل المضارع الدال على الزمن الحاضر أو الاستقبال، ودلالة سياقية متمثلة في الإشارة إلى الزمن الماضي، وذلك بالعطف على الماضي أو مجيئه بعده، فالدلالة السياقية تقتضي مضيه والدلالة النحوية للصيغة تقتضي استحضاره، فيجمع بين الدلالتين ليقال: إنه الماضي الحاضر، أو بعبارة (فندريس) هو"المضارع التاريخي"، وذلك"استعمال شائع في الحكاية حيث يسمى بالحاضر التاريخي، وفيه يجد المثقفون سحرًاَ خاصًا، يقولون بأن الحاضر أكثر تعبيرًا أو أبلغ حتى ليجعل المنظر يحيا من جديد أمام عيني القاريء، ويرجع بفكرنا إلى اللحظة التي دار فيها الحديث" [1] .

... ومن أمثلة هذا المضارع التاريخي ما جاء في حديث عبد الله بن عتيك حين دخل على أبي رافع اليهودي حصنه، قال: فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم لا أدري أنى هو من البيت، فقلت: أبا رافع، فقال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه بالسيف وأنا دهش" [2] ."

ففي هذا النص نجد أن الفعل المضارع (أضرب) يدل في معناه على حدث مضى وانقضى، بدلالة السياق على ذلك، إذ كل أحداثه ماضية (فانتهيت .. فقلت .. فأهويت ..) ، وكان حق الفعل (أضرب) أن يرد ماضيًا فيكون (فأهويت نحو الصوت فضربته وأنا دهش) لكنه تحول عن الماضي إلى المضارع؛ لاستحضار الحدث وكأنه مشاهد للعيان؛ لأن الموقف موقف تعجب ودهشة.

... ومنه أيضًا قول تأبط شرًا [3] :

ألا مَنْ مُبْلغٌ فِتَيانَ فَهْمِ ... بِمَا لاَقَيْتُ عِنْدَ رَحى بِطَانِ

بِأَنِّي قَدْ لَقِيتُ الغُولَ تَهْويَ ... بِسَهْبٍ كالصَّحِيفَةِ صَحْصَحَانَ

فأضربُها بِلاَ دَهَشٍ فَخَرَّتْ ... صَرِيْعًَا لليديْن وَلِلْجِرَانِ

(1) اللغة، فندريس، 138.

(2) دلائل الإعجاز، 206.

(3) الأغاني، 21/129، وانظر: ديوان تأبط شرًا، ضمن ديوان الصعاليك، ت: يوسف شكري فرحات، ص 171-172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت