فالمستوى السطحي [1] : ... لقيتُ ... ( ... ... ( ... أضربها
... ... ... ماضٍ( ... ... ( ... مضارع
والمستوى العميق: ... ... لقيتُ ... ... ... ... فضربتها
... ... ... ... ماضٍ ... ... ... ... ماضٍ ...
فالسياق الزمني للأبيات يسير على جهة الإخبار بالماضي (لاقيت، لقيت) ، والشاعر في هذا الموقف يريد أن يخبر على سبيل السرد والحكاية عن واقعة مدهشة حصلت له، فأتى بـ (ألا) الاستفتاحية ليشد انتباه السامعين لسماع السرد والحكاية، ثم يذكر المكان"رحى بطان"ويثير الرعب والخوف بذكر اسم"الغول"، وأنه لقاه بمكان خلاء لا ملجأ فيه ولا احتماء، ثم بعد السرد الحكائي بصيغة المضي تحول إلى الفعل المضارع. لحظة المواجهة الحاسمة مع الغول، فقال:"فأضربها"وذلك أنه"قصد أن يصور لقومه الحال التي تشجع فيها على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها مشاهدة، للتعجب من جراءته على ذلك الهول، ولو قال:"فضربتها"عطفًا على الأول؛ لزالت هذه الفائدة المذكورة" [2] .
... ويقول ابن الأثير [3] : "فإن قيل: إن الفعل الماضي أيضًا يتخيل منه السامع ما يتخيله من المستقبل، قلت في الجواب: إن التخيل يقع في الفعلين معًا، لكنه في أحدهما وهو المستقبل أوكد وأشد تخيّلًا؛ لأنه يستحضر صورة الفعل، حتى كأن السامع ينظر إلى فاعلها في حال وجود الفعل منه، ألا ترى لما قال تأبط شرًا"فأضربها"تخيّل للسامع أنه مباشر للفعل، وأنه قائم بإزاء الغول، وقد رفع سيفه لضربها، وهذا لا يوجد في الفعل الماضي؛ لأنه لا يتخيل السامع منه إلا فعلًا قد مضى من غير إحضار للصورة في حالة سماع الكلام الدال عليه، وهذا لا خلاف فيه".
(1) الأسهم التي للخلف دلالة على الماضي، والأسهم التي للأمام دلالة على الزمن المضارع، انظر: تحولات البنية في البلاغة العربية، 322.
(2) المثل السائر، 2/196.
(3) السابق الصفحة نفسها.