وعد السكاكي ( 626هـ) هذا النوع من التحول أصلًا بلاغيًا ثابتًا إذا اقتضى السياق اللجوء إليه، فقال [1] :"وإنه -أي الانتقال من التعبير بالماضي إلى المضارع- طريق للبلغاء لا يتحولون عنه، إذا اقتضى المقام سلوكه".
... ويرد هذا النوع من التحول بكثرة في الكتاب العزيز، ويعد من روائع البيان فيه، إذ عمد القرآن الكريم إلى صورة مغرقة في القدم فاستدعاها من الماضي السحيق إلى الزمن الحاضر؛ لتصبح كأنها مشاهدة ماثلة للعيان، من ذلك قوله تعالى مخاطبًا اليهود: { أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } [البقرة، 87] .
... ففي هذا السياق حصل تحول عن الفعل الماضي"كذبتم"إلى الفعل المضارع"تقتلون"وكان مقتضى السياق بموجب المطابقة الزمنية بين الأفعال أن يكون على النحو"ففريقًا كذبتم وفريقًا قتلتم".
... لا سيما أنه يتحدث عن أمر حدث في الزمن الماضي، من تكذيب اليهود للأنبياء وقتلهم إياهم، لكن السياق تحول عن الماضي إلى المضارع؛ لأن قتل الأنبياء أمر فظيع، فأراد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب [2] .
... وسياق هذه الآية يشابهه سياق آخر وهو قوله تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [البقرة، 91] .
(1) مفتاح العلوم، 247.
(2) انظر: الكشاف، 1/295.