... أما النوع الأول: فمجيء المضارع فيه للدلالة على حدث قد مضى، وقد قرر علماء البلاغة أن المضارع في الحالة هذه يقصد به استحضار الصورة للحدث الماضي، وكأنه أمر مشاهد بارز للعيان، يقول ابن الأثير [1] :"واعلم أن الفعل المستقبل إذا أتي به في حالة الإخبار عن وجود الفعل، كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي، وذلك لأن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن السامع يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضي". وهذا ما أطلق عليه الزمخشري (ت 538هـ) مصطلح"حكاية الحال". يقول الزمخشري عند قوله تعالى: { وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ ميِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ } [فاطر، 9] . فإن قلت لم جاء"فَتُثِيرُ"على المضارعة دون ما قبله وما بعده؟ قلت: ليحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية" [2] ."
... فالسياق هو الذي أضفى على الفعل المضارع في هذه الحالة دلالة زمنية معينة، وذلك من عطف الفعل المضارع على الفعل الماضي، إذ يقتضي السياق بموجب المطابقة الزمنية أن تجري الأفعال الواردة فيه على نسق واحد، يقول السيوطي (ت 911هـ) [3] :"وما عطف على حال أو مستقبل أو ماضٍ أو عطف عليه ذلك فهو مثله؛ لاشتراط اتحاد الزمان في الفعلين المتعاطفين".
(1) السابق/ 2/194.
(2) الكشاف، 3/301.
(3) همع الهوامع، 1/23.