... فمن ذلك مثلًا: الفعل"أتى"في قوله تعالى: { أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } [النحل، 1] . يدل بصيغته الصرفية على المضي المطلق، في زمن مضى وانقضى، إلا أن وروده في السياق"يفرض عليه دلالة سياقية يقتضيها السياق ويدل عليها، وهي دلالة الاستقبال؛ لأن القرينة اللفظية"فلا تستعجلوه"في السياق النحوي التركيبي تشير إشارة واضحة جلية إلى أنه لما يقع بعد. ومع كونه فعلًا ماضيًا في الصيغة الصرفية، فإننا لا نفرغ هذه الصيغة الصرفية من دلالتها الزمنية ولا نخضعها للدلالة السياقية فقط، كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين، إذ لو كان ذلك هو المراد لجاءت الصيغة صريحة بقوله:"سيأتي أمر الله". ومع ذلك لا نقف عند حدود الدلالة الصرفية اللفظية لنقول: بأنه فعل ماضٍ قد وقع وحصل؛ فالقرينة السياقية تمنع ذلك وهي قوله:"فلا تستعجلوه"، وإنما نجمع بين الدلالتين الصرفية والنحوية، الإفرادية والتركيبية، لنقول: إن المراد"هو توظيف الصيغة في معنى الاستقبال متضمنة معنى المضي وموظفة له في الوقت نفسه، فكأن مقصود الآية أن تقول: سيأتي أمر الله لا محالة مجيئًا مقطوعًا به، بل هو في حكم ما وقع وأتى بالفعل" [1] ."
... ونلحظ أن مجيء الأفعال في السياق القرآني كثيرًا ما يخرج عن النمط المألوف للغة من حيث التصرف في أزمنة الفعل، وذلك كالتعبير عن الحدث الماضي بالمضارع والتعبير عن الحدث المستقبل بالزمن الماضي، وكثيرًا ما نجد السياق القرآني لا يجري على نمط واحد في المطابقة الزمنية بين الأفعال، إذ يحصل تصرف في التحول الداخلي للسياق نفسه بالمخالفة في أزمنة الأفعال، كأن يرد في السياق ذكر الفعل المضارع ثم ينكسر النسق السياقي بمجيء الفعل الماضي في السياق نفسه أو العكس، مما يثير التساؤل عن معرفة سبب ذلك التحول ودلالته التعبيرية في السياق القرآني.
(1) الإعجاز الصرفي، 52-53.