الصفحة 15 من 54

ويتحول الماضي المنفي إلى المضارع المنفي فيفيد الفعل المضارع في هذه الحالة تأكيد النفي، وليس استحضار الصورة كما هو الحال مع المضارع المثبت، وهو ما ذهب إليه ابن جني (ت 392هـ) إذ قال [1] :"ومنه قولهم: لم يقم زيد، جاءوا فيه بلفظ المضارع وإن كان معناه المضي؛ وذلك أن المضارع أسبق رتبة في النفس من الماضي، ألا ترى أن أول أحوال الحوادث أن تكون معدومة، ثم توجد فيما بعد، فالمضارع معدوم باعتبار أنه لم يقع بعد، أما الماضي فقد وقع وانتهى، فإذا نفي المضارع الذي هو الأصل فما ظنك بالماضي الذي هو الفرع"."وفي هذا النفي نوع من التوكيد، فالتعبير بالمضارع المنفي بدلًا من الماضي لا يفيد عند ابن جني استحضار الصورة، كما يفيد التعبير بالمضارع بصفة عامة، ولكنه يأتي لإرادة التوكيد" [2] .

وبناء على ما تقدم يكمننا فهم سر التحول في سياق قوله تعالى: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } [المؤمنون، 76] . فالمتوقع من سياق هذه الآية أن تكون على النحو التالي:"فما استكانوا لربهم وما تضرعوا"لكن السياق القرآني تحول عن الماضي المنفي إلى المضارع المنفي، والسبب في ذلك -والله أعلم- أن حالة التضرع هي مرتبة أعلى في الخضوع من الاستكانة نفسها، إذ التضرع ضرب من الإمعان في الابتهال واللجوء إلى الله تعالى، فنفي ما هو أدنى يستلزم من باب أولى التأكيد في نفي ما هو أعلى رتبة، فإذا انتفت الاستكانة منهم، فمن باب أولى ينتفي حصول أدنى تضرع منهم، لذا تحول السياق في النفي عن الماضي إلى المضارع؛ فنفي المضارع أشد تأكيدًا من نفي الماضي، -كما سبق ذكره عند ابن جني- فوافق المقال مقتضى الحال.

(1) الخصائص، 3/105.

(2) أثر النحاة في البحث البلاغي، 306.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت