ولعل ذلك ما قصده ابن عاشور بقوله [1] :"والتعبير بالمضارع في"يتضرعون"لدلالته على تجدد انتفاء تضرعهم". إذ يفهم من قوله:"تجدد الانتفاء"تكرار النفي واستمراره وذلك ضرب من التأكيد، وكأني بالسياق يقول:"ما تضرعوا، وما تضرعوا، وما تضرعوا، ..."، فقال:"وما يتضرعون"، وهو ما يفهم أيضًا من قول الألوسي [2] :"وعبر في التضرع بالمضارع ليفيد الدوام، إلا أن المراد دوام النفي، لا نفي الدوام".
ولو جرى السياق على النمط المتوقع فجاء"فما استكانوا لربهم وما تضرعوا"لكان المقصود -والله أعلم- وما تضرعوا التضرع المطلوب لرفع البلاء وكشف العذاب، وإنما جاء"وما يتضرعون"لنفي حصول أدنى شيء من التضرع أصلًا"."
ولا منافاة فيما قررناه هنا وبين قوله تعالى: { حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لا تُنصَرُونَ } [المؤمنون، 64-65] . فهناك فرق بين الجؤار والتضرع.
يقول الشهاب الخفاجي (ت 1069هـ) [3] :"فالتضرع يستعمل فيما إذا كان عن صميم القلب لا باللسان فقط، ولذا عبر عن استغاثتهم أولًا بالجؤار الذي هو من صوت الحيوان، فلا منافاة بينهما كما توهم".
وللتحول إلى المضارع دلالات تخرج عن دلالة استحضار الصورة إلى معانٍ أخرى يشي بها السياق القرآني الكريم، من ذلك دلالة التلطف في الخطاب، وكثرة وقوع الفعل وتكراره، أو تجدده واستمراره، فمن دلالة التلطف في الخطاب قوله تعالى: { قُل لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [سبأ، 25] .
(1) التحرير والتنوير، 18/101.
(2) روح المعاني، 18/56.
(3) حاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي، 6/598.