الصفحة 14 من 54

وهذا السياق تنسجم فيه الدلالة الزمنية للسياق الداخلي من خلال الإخبار عمن سبق من بني إسرائيل بصيغة ضمير الغائب"إليهم، جاءهم، أنفسهم"مع السياق الخارجي للزمن الماضي، وبناءً على ذلك فتنصرف دلالة الفعل المضارع"يقتلون"، في الحالة هذه إلى استحضار الصورة لا غير، وليس فيه دلالة استمرار الحدث وتجدده، يقول الزمخشري (ت 538هـ) [1] : "جيء"يقتلون"على حكاية الحال الماضية استفظاعًا للقتل واستحضارًا لتلك الحالة الشنيعة للتعجيب منها".

ومما سبق ذكره يمكننا الجمع بين دلالات هذه السياقات المختلفة، لنقول: إن دلالة الفعل"يقتلون"تفيد استحضار صورة قتل الأجداد للأنبياء تبشيعًا لقبح فعلتهم، وذلك من سياق الإخبار عنهم بضمير الغائب، وفيه دلالة على استمرار الحدث وتجدد حصوله من الأبناء والأحفاد وذلك من سياق الخطاب، وفيه تيئيس من تحقق ذلك وحصوله في حق هذا النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا يعد من بلاغة تصريف القول في القرآن الكريم، فقد تم توظيف القيمة الزمنية في صياغة الفعل للحصول على مساحة تتعدد فيها الدلالات للنص وتتسع.

وكما أن وظيفة استحضار الصورة في سياق الآيات السابقة كان لغرض تصوير فظاعة الحدث وقبحه، فكذلك نجد استحضار الصورة في سياق آخر يرد للفت الأنظار إلى موضع القدرة والاعتبار، من ذلك قوله تعالى: { وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ } [فاطر، 9] . فإنه إنما قال:"فتثير، مستقبلًا، وما قبله وما بعده ماضٍ؛ لذلك المعنى الذي أشرنا إليه وهو حكاية الحال التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، واستحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة" [2] .

(1) الكشاف، 1/633.

(2) المثل السائر، 2/195.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت