وأما الاستجابة لروح العصر والبيئة ، فقد جاء التصور الإسلامي بنظرة جديدة للكون والإنسان، ومن ثم نقله من عصور المادية والنزوات البشرية والطيش والاندفاع الذي لا يستند إلى قواعد أخلاقية فاضلة إلى عصر التوازن بين الروح والمادة، والتصرف وفق منهج رباني يحيط بحاجة الإنسان في الدنيا والآخرة، واقتضى ذلك وجود علاقات اجتماعية جديدة وتأسيس بيئة إنسانية رفيعة، وقد استجاب الشعراء لتلك المقتضيات التي جاء بها المنهج الذي يعتنقونه فكان شعرهم استجابة لعصرهم وبيئتهم.
أما التجديد ، فقد جاء التصور الإسلامي بعد أن بدأ الشعر الجاهلي في الانحطاط حيث ضاق بماديته وتقاليده ، وأخذت عيوبه تتفاقم حتى كادت أن تؤدي به إلى فساد تام، فأعطاه مجالًا للتجديد ما كان ليظفر به لولا مجئ الإسلام الذي بدل حياة الناس وتفكيرهم.
إن حركة التأصيل التي مخضت الشعر الجاهلي وأعطته فرصة ذهبية للتطور والتجديد لولاها لاستمر يكرر نفسه حتى يصير لا أكثر من تمرينات آلية تقليدية لا حيوية فيها، واستمرت عيوبه تزداد تفاقمًا حتى تنتهي به إلى الفساد التام. ولكن هذه الفرصة الذهبية كانت ضيقة المدى انتهت بانقضاء عصر الخلفاء الراشدين، وكانت تحتاج إلى مدى أطول حتى تعطي آثارها كاملة، وذلك بعد أن يتقبل العرب تعاليم الإسلام الجديدة تقبلًا نفسيًا عميقًا لا لفظيًا سطحيًا ، وقد ظهرت بعض آثار تلك المرحلة بعد جيلين كاملين من الهجرة.