الصفحة 21 من 24

وظل الشاعر يخوض معركة الدعوة مع السيوف في أنحاء الجزيرة العربية ويتخذ منها محورًا للتأصيل حتى تم فتحها وأشرق نور محمد عليها، ولما ارتدت العرب بعد موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وتنبأ من تنبأ من مثل سجاح ومسيلمة، وانطلقت السيوف تحارب المرتدين والمتنبئين وأخذ الشعر موقفه مع السيوف في تلك المعارك أيضًا، فهذا ضرار بن الأزور يعلى من قيمة الجهاد حين اشتبك جيش المسملين مع مسيلمة:

أجاهد إذ كان الجهاد عزيمة ... والله بالمرء المجاهد أعلم [1]

وهذا عطار بن الحاجب يحط من قدر سجاح حين يتهكم منها قائلًا:

أمست نبيتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانًا [2]

وهكذا أبدى الشعر دوره في معركة الدعوة حتى انتصرت ، وكان في بعض الأحيان أشد على الأعداء من وقع السهام، وكانت هذه المعركة هي النموذج التطبيقي لتأصيل الشعر نحو إسلامية التصور والرؤى وتخليصه من أوهام الجاهلية، وقد ساعدت على ذلك عوامل كثيرة منها:

قضاء الإسلام على بواعث الشر التي كانت تثير الشعر كالعصبية والأخذ بالثأر وحب الفتك وتحريم الإسلام للمجالات التي كان يعيش فيها الشعر ويزدهر كالغزل الفاحش والخمر والفخر القبلي، وما سنته الدولة للمسلمين من رواتب من بيت المال تعولهم وتقوم بحاجة أسرهم ، بهذا سدّ الطريق أمام المتكسبين بالشعر.

تحقيق خصائص الأصالة في شعر عصر صدر الإسلام:

وقد جرت حركة التأصيل في الشعر في عصر صدر الإسلام وفق معيار الأصالة النقدي الذي أشار إليه الباحثون لقياس الكمال الفني في النص الأدبي [3] .

(1) عبد الملك بن هشام ، السيرة النبوية ، ص310.

(2) المرجع السابق ، ص339.

(3) د. بلة عبد الله مدني ، الأصالة في الأدب، مجلة التأصيل، العدد السادس (الخرطوم: دار جامعة أفريقيا العالمية للطباعة والنشر 1998م) ، ص 51 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت