الصفحة 17 من 24

وينداح الشعر في معركة الدعوة في مجالات شتى تتداخل حينًا وتتمايز حينًا آخر لتعطي قوة عاطفية وعقلية تدحض كل ما من شأنه أن يقف في طريقها، فهو يهجو الكفار هجاء يعرف منابع الخطل، ومواطن الأذى فيصيب الهدف، ويحقق المراد، ويشفى الصدور. وقد تنوع شعر شعراء الدعوة الكبار في النيل من الكفار، فحسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وغيرهم يشتركون في دفع ألسنة القريشيين عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن عبد الله بن رواحة يتعمق في تعيير قريش بالكفر وحسان بن ثابت وكعب بن مالك يتجهان نحو معارضة شعراء قريش بمثل قولهم في الوقائع والأيام وذكر مثالب القوم [1] .

وهو يشرح الدعوة ويبين مبادئ الإسلام، يقول النابغة الجعدي: إنه وفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين جاء بالهدى ودين الحق، وقد صادفت دعوة الإسلام مكانًا في قلبه لأنه لم يعبد الأوثان، بل عَبد الله كما كان يعبده إبراهيم عبادة التأمل والخضوع ومن ثم بادر بالمجئ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يصف الكتاب الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه نير كنهر المجرة الذي يبدو في ظلمة ليالي الصيف، ويعلن التقوى ويوصى بها ويخاف من عذاب النار:

أتيتُ رسولَ الِله إذْ جَاء بالهُدَى ... ويَتْلو كِتابًا كالمجَرة نَيِّرًا

أُقيمُ عَلَى التَّقوْى وأُرضي بِفِعلِها ... وكُنتُ من النَّارِِِِِ المخُوفَةِ أحذرا [2]

ويوضح شعرهم إيمان المسلمين بالله ورسوله ، وبذلهم في سبيل الدعوة النفس والمال، يقول قيس بن حرمة الأنصاري:

بذلنا له الأموال من حلِّ مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتآسيا

ونعلم أن الله لا رب غيره ... ونعلم رسول الله أفضل هاديا

(1) عبد الملك بن هشام ، السيرة النبوية ، مرجع سابق ، ص 414.

(2) هو حبان بن قيس بنٍ عبد الله الجعدي العامري، من المخضرمين ، وقد حرم على نفسه في الجاهلية الخمر وترك عبادة الأوثان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت