واستجاب الشعراء لدعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فراحوا يدفعون عن رسول الله ألسنة القرشيين، ويدخلون المعركة وعليهم جلال الإسلام وما أعطى القرآن الكريم اللغة من خلود إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وتوحد لهجاتها، وزوال ما كان فيها من تناكر، وجعلها لسان الدولة الإسلامية، ونشرها في جميع البلاد التي دخلها الإسلام، وجعلها لغة تعليمية، بعد أن كانت ملكة راسخة [1] ، وهذب ألفاظها ، وأضاف إليها ألفاظًا جديدة، ومصطلحات تدل على معاني استلزمتها الحياة الجديدة، وعززها بمعانٍ صريحة يشهد لها العقل بالصحة ويعطيها من نفسه أكبر نسبة، ويتفق العقلاء على الأخذ بها والحكم بموجبها في كل أمة وجيل، ويوجد لها أصل في كل لسان ولغة، وأحدث فيها أغراضًا جديدة وسلك بالأغراض القديمة طرقًا غير طريقها، وقلما بقى غرض على حاله بعده، ومنحها أسلوبًا أظهر شيء فيه الاقناع بالقضايا العقلية المنطقية، ولفت النظر إلى ملكوت السماوات والأرض، وقص القصص على أشكال مختلفة: في إيجاز طورًا ، وإطناب تارة، وتوسط أخرى. وضرب الأمثال، وقاس الغائب على الشاهد، وكانت فيه معان جديدة وأغراض جديدة فلابد أن يكون فيه مجازات واستعارات وكنايات لم يعرفها العرب، ولابد أن يكون ما عرفوه من ذلك قد نظم، وتصرف فيه على وجه آخر غير الذي ألفوه، حتى قويت دهشتهم، وإزداد تعجبهم من أنهم يرون ألفاظًا هي عين ألفاظهم. ثم لا يجدون في أنفسهم من الشجاعة ما يقدم به إلى معارضته وقد تحداهم تحديًا صارخًا فعجزوا أمامه عجزًا ذليلًا مستكينًا [2] .
(1) أحمد حسن الباقوري، أثر القرآن الكريم في اللغة العربية (القاهرة: دار المعارف) ، ص45.
(2) المرجع السابق، ص 126.