بداية نقول:"إنّ المحقق لم يعن بتخريج البيتين، وهما للعجاج من قصيدة طويلة عدتها سبعة عشر بيتًا ومائة بيت. والبيتان ليسا متتابعين، ولا مترابطين [1] . وعليه فالجمع بينهما دلل على الاضطراب الذي يعاني منه الكتاب. ثم إنّ الجمع بينهما وتفسيرهما على هذا النحو من قبل ابن جني دليل على إسفاف ووهم كبيرين. إن هذا الربط، وهذا التفسير، لا يمكن أن يقبل بهما من لديه أدنى مسكة من عقل؛ إذ كيف يربط ابن جني بين شيئين لا يمكن الربط بينهما؟ كيف يشبه الحمار باللؤلؤة في الماء؟ ما وجه الشبه بينهما؟ من المسلم به أن تشبيه شيء بشيء يقتضي أن تكون هناك قواسم مشتركة بين الشيئين، أي أن تكون هناك علاقة بين المشبه والمشبه به، فمن المعقول أن نقول: لو لم يكن هذا العطر عنبر كان مسكًا، أو لو لم يكن هذا القرط ذهبًا كان ألماسًا، إذ بين العنبر والمسك من جهة، وبين الذهب والألماس من جهة أخرى، من العلاقة ما لا يخفى على أحد. لكن على أي وجه يمكن أن نشبه الحمار باللؤلؤة في الماء؟"
وقد ترتب على هذا الوهم والإسفاف، وهم نحوي آخر وهو إعراب ابن جني لـ"لؤلؤة"بأنها خبر لـ"كان محذوفة، وهذا وهم آخر. والغريب في الأمر أن كل هذا لم يستوقف المحقق، ولم يثر انتباهه واستنكاره، ومن ثم فلم يعلق على ذلك أدنى تعليق اللهم إلا تعليقه على عبارة الخاطريات:"مسمار المصحف"بقوله ( في الهامش رقم 2) :"ولم أجد لها نصًّا في المعاجم، ولكن المسمار معروف، وهو الحديدة يثبت بها الشيء"."
ونقول بعد هذا إنّ البيتين كما قدمنا للعجاج، ولكنهما غير متتابعين ولا مترابطين؛ فالأول منهما هو البيت رقم (62) في الأرجوزة، والبيت الثاني هو البيت رقم (55) ، وعليه، فالثاني مكانه قبل الأول بستة أبيات، والبيت الأول مع الذي قبله هما:
(61) تخال من شجرة مزمارا
(62) كأنه لو لم يكن حمارا
وأما البيت الثاني مع الذي قبله فهما:
(1) 274. سرّ صناعة الإعراب 1/10.