وكذلك تمييز الترابي بين أهل الكتاب والكفار تمييز اصطلاحي ، وله أيضا أصل في القرآن الكريم ، مثل قوله تعالى:"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا" [14] . وإذا كان كثيرون لا يرون التباسا في التمييز الاصطلاحي بين أهل الكتاب والمشركين ، لكثرة ما تردد في القرآن الكريم ، فإن بعضهم يستشكل التمييز الاصطلاحي بين أهل الكتاب والكفار . لكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ممن انتبهوا إلى وجود هذا التمييز في الكتاب العزيز ، فقال:"مع أن الكفار قد يُميَّزون من أهل الكتاب أيضا في بعض المواضع كقوله: ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) فإن أصل دينهم هو الإيمان ، ولكن هم كفروا مبتدعين الكفر" [15] .
ومما يثير الإشكال لدى خصوم الترابي استعماله مصطلحات غربية لم يعتدها جل الدارسين بالجامعات الإسلامية ، مثل مصطلح Monotheistic Religions الذي يترجم عادة بعبارة"الديانات التوحيدية"، ومصطلح Abrahamic faiths ويترجم عادة بعبارة"الديانات الإبراهيمية"ويراد بهاذين المصطلحين في الجامعات الغربية اليهودية والمسيحية والإسلام . وهي ترجمة غير دقيقة ، لأن اليهودية والمسيحية لم تعودا ديانتين توحيديتين ولا ملتين إبراهيميتين ، ولكن الترابي ومالك بن نبي وغيرهما من كتاب الإسلام المتضلعين بالثقافة الغربية يستعملونها اصطلاحا ، وإن لم يعنوا معناها المتبادر في أصل الوضع اللغوي العربي ، أو في الاصطلاح الشرعي الإسلامي . وقد رأينا كيف ميزت آيات من القرآن الكريم بين أهل الكتاب والمشركين وبين أهل الكتاب والكفار تمييزا اصطلاحيا ، دون أن ينفي ذلك صفة الشرك والكفر عن أهل الكتاب .