والذي يبدو لي أكبر خطإ ارتكبه الدكتور الترابي في حق نفسه أولًا ، ثم في حق مستمعيه وقرائه بعد ذلك ، هو أنه يقدم نتائج قراءاته الواسعة واجتهاداته الجريئة دون بيان لمقدماتها ، فيلقي المسائل إلقاء من غير توضيح لمواردها ومصادرها ، ويقذف بالآراء الجريئة المثيرة للجدل دون توثيق لها من كتب التراث الإسلامي ، رغم أن أكثر آرائه التي تبدو للقارئ غير المطلع بدَعا مستحدثة لها أصول في نصوص الشرع ، وسوابق من آراء المتقدمين من علماء السلف ، ممن لهم هيبة في العقل المسلم المعاصر ، المولع بتقديس اجتهاد الأموات واحتقار اجتهاد الأحياء .
ولو أن الترابي خاطب حملة الثقافة الفقهية الحاضرة بلغتهم الأثرية السائدة ، ووثق آراءه من التراث الفقهي والفكري المتراكم ، لنأى بنفسه عن سهام الاتهام ، ولوجد من يتفهم مقولاتِه وإن لم يتبنَّها ، ومن يقبلُ بها رأيا اجتهاديا مشروعا ، وإن لم يوافقه عليها . لقد جنى الترابي على نفسه وعلى الخطاب الشرعي عموما حينما قدم آراءه واجتهاداته مجردة عن الإسناد والتوثيق ، فبدت للقارئ غير المطلع إرسالا للكلام على عواهنه ، وخروجا على المرجعية الشرعية .
ولو سلك الترابي وخصومُه مسلك العلم والعدل ، وتحلَّوْا بأدب الخلاف ، وتجردوا من صراع السياسة وأهواء التحيز ، والتزموا البرهان والدليل المجرد ، لكان الجدل الحالي مثمرا، يستفيد منه المسلمون تحريرا لمسائل شرعية على قدر من الأهمية ، وحفْزًا لطلاب العلم على مزيد من البحث والتنقيب ، وأخذا للمسائل الشرعية بقوة ، وعدم استسهال الخوض فيها من غير دليل وتأصيل .
من أجل ذلك جاءت هذه الملاحظات دعوة للتثبت والارتفاع بالجدل الراهن إلى مستوى الخطاب الشرعي ، الذي يحسن الظن بالمسلمين ، ويتنزه عن محاكمة الضمائر ، ويفتح الباب لحوار الأفكار في وضَح النهار ...