ومهما يكن من أمر ، فليست أي من أقوال الترابي هذه بأشد مخالفة لظواهر النصوص وما تعارف عليه أهل العلم ، من أقوال شاذة قال بها علماء أعلام في الماضي ، فخرجوا بها عن القول السائد . وكم من علمائنا الأقدمين خالفوا ما اعتقد أنه إجماع ، ليس في الفروع فقط ، بل في العقائد ، وتعرضوا للمحن بسبب ذلك ، ومع ذلك انتشر قولهم واشتهر بعد ذلك وأصبح مقبولا ، بعد أن تكشفت مداركه من النصوص وسوابقه في تراث الأمة ، أو تم عذرهم فيه لما يُعلَم من عمق إيمانهم وحبهم لله ورسوله . وقول ابن تيمية وابن القيم بفناء النار في الآخرة ، وهو ما يترتب عليه عدم خلود الكفار في العذاب ، يدخل في هذا الباب . وقد رد عليهما بعض العلماء الأقدمين مثل تاج الدين السبكي في كتابه:"الاعتبار ببقاء الجنة والنار"، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني في كتابه:"رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار"، واتهموهما بمخالفة الإجماع . وبسبب اجتهاداتهما المخالفة لما تعارف عليه فقهاء عصرهم"نودي بدمشق من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله ، خصوصًا الحنابلة . فنودي بذلك وقرئ المرسوم" [105] . ولم يكن الخطأ خطأ ابن تيمية أو ابن القيم رحمهما الله، فهما من أعلام الإسلام ، وقد قالا بما أداهما إليه اجتهادهما واطلاعهما الواسع . بل كان ثمرة مريرة من ثمار التعصب المذهبي وضيق الأفق عند الطرف الآخر ، واستخدام السلطة القاهرة في صراع الأفكار . فما أشبه الليلة بالبارحة ، ونحن نقرأ بيان مجمع الفقه التابع لرئاسة الجمهورية السودانية حول الترابي !!