أليس أقل ما يقال في هذا السياق هو قول شيخ الأزهر السابق علي جاد الحق رحمه الله:"ولما كانت أسس العقيدة الإسلامية إنما تثبت بالدليل القطعي الثبوت والدلالة من القرآن والسُّنَّة ، فإن مَن جَحد نزول عيسى عليه السلام وعوْدتَه إلى الأرض لا يخرُج عن الإسلام ، ولا يُعتبر كافرًا ، لأن ما جَحده غير ثابت بدليلٍ قطعيٍّ مِن القرآن أو السنة" [99] ؟
عصمة الأنبياء عليهم السلام
ويدخل في هذا الباب كلام الترابي عن عصمة الأنبياء ، فالذين يردون على الرجل لا يبدو أنهم يفرقون بين"عصمة البلاغ"و"عصمة التأسي"، ولا يميزون بين العصمة من الكبائر والعصمة من الصغائر . فلا ريب أن الأنبياء معصومون فيما يبلغون عن الله عز وجل ، وبدون اعتقاد ذلك تسقط الثقة في الوحي ، وعلى هذا القدر من العصمة لم يختلف اثنان من علماء الأمة ، ولم يثر الترابي يوما كلمة حول هذا الأمر . وأما عصمة التأسي ، أي هل هم معصومون من فعل الذنب ابتداء ، أم معصومون من الإقرار عليه فقط ، فهذا فيه جدل قديم منذ صدر الإسلام بسبب ظواهر الآيات الدالة على أن بعض الأنبياء ارتبكوا أخطاء أو أصابوا ذنوبا . قال الشوكاني:"وكلام أهل العلم في عصمة الأنبياء واختلاف مذاهبهم في ذلك مدون في مواطنه" [100] .
والقدر المتفق عليه من عصمة التأسي أنه لا يتم إقرار الأنبياء على الذنب . قال ابن تيمية:"إن الله سبحانه وتعالى لم يذكر عن نبي من الأنبياء ذنبا إلا ذكر توبته منه ، ولهذا كان الناس في عصمة الأنبياء على قولين: إما أن يقولوا بالعصمة من فعلها [ أي الذنوب ] ، وإما أن يقولوا بالعصمة من الإقرار عليها ، لا سيما فيما يتعلق بتبليغ الرسالة ، فإن الأمة متفقة على أن ذلك معصوم أن يُقرَّ فيه على خطأ ، فإن ذلك يناقض مقصد الرسالة ومدلول المعجزة" [101] .