وإحسانا للظن بخصوم الترابي أرى أن اللبس قد دخل عليهم من شَبَه الاصطلاح هذا ، وهم لا يدركون -على ما يبدو - أن استعمال مصطلحات الحلولية الملحدة ليس مرادفا للإيمان بمضمونها ، وأن لا مشاحة في الاصطلاح ابتداء ، فهذه ألفاظ عربية كانت موجودة قبل أن تظهر عقيدة الفناء الحلولي في الثقافة الإسلامية . ولغة الصوفية واصطلاحاتها سائدة في السودان وغيره من البلدان التي دخلها الإسلام على أيدي المتصوفة، فالدكتور حسن مكي مثلا يتحدث عن"فناء"الجيوش المعاصرة في الدولة [5] .
فاستعمال اصطلاحات"القوم"من طرف الترابي أو غيره لا يعني بالضرورة إيمانا بمدلولها عند غلاتهم . وحتى الصوفية الذين يستعملون مصطلح"الفناء في الله"لا يقصد أغلبهم به الحلول ، وإنما استعار أغلبهم هذا التعبير المنحرف من فلسفة الأوائل ودرجوا على استعماله من غير علم بمدلوله الأصلي ، ولو سألت أغلبهم اليوم عن معناه لما استطاعوا جوابا .
وقلَّ أن يطلع الباحث على تشخيص أدق لانحرافات بعض المتصوفة أو تعبير أعمق عنها مثل تشخيص الترابي وتعبيره وهو يصف ما في"واقع الصوفية من بدعيات وجهالة في الاعتقاد والعمل ، ومن كثافة طقوس تكاد تستنزف طاقات التدين في المراسم والأشكال ، ومن رخاوة شرعية تقعد بصاحبها ساكنا عاجزا، ومن فرْط ولاء واتباع يكاد يحجب عن الله ..." [6] .
إيمان أهل الكتاب