وقد سوَّى القرآن الكريم بين شهادة الرجل والمرأة في اللعان ، فطالب أن يشهد كل منهما خمس شهادات تثبت صدقه وكذب خصمه ، ولم يجعل على المرأة ضعف ما على الرجل من شهادات ، ولا جعل شهادتها نصف شهادة الرجل . فتخصيص المال بتنصيف الشهادة في القرآن الكريم إذن مما قد يكون معللا . كما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة المرضعة الواحدة:"عن عقبة بن الحارث: أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز ، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج ، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ، ولا أخبرتني ، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف وقد قيل . ففارقها عقبة ، ونكحت زوجا غيره" [63] . وقد علق ابن القيم على هذا الحديث بالقول:"ففي هذا قبول شهادة المرأة الواحدة وإن كانت أمَة" [64] .
وقد تواتر قبول علماء الحديث رواية المرأة الواحدة للحديث النبوي ، سواء بسواء مع الرجل . وما من ريب أن الشهادة على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( كذا ) أهم وأعمق أثرا على الملة والأمة من الشهادة على أن فلانا استدان من فلان بضعة دراهم أو دنانير .
فما ذهب إليه الترابي من أن تنصيف شهادة المرأة في آية الدَّين حكم معلَّل بعدم خبرة النساء حينها بالتجارة والتوثيق ، وأنه يزول بزوال علته حينما يتعلم النساء ويتمرسن بالتجارة قول وجيه واجتهاد مُعتَبر ، وليس هو مما يُنكَر . وكم من حكم معلل غير هذا في الكتاب والسنة زال بزوال علته ، مثل أمر القرآن الكريم للمسلمين بإعداد الخيل لمواجهة عدوهم لما كانت الحرب على ظهور الخيل هي السائدة ، وقد زال الحكم وأصبح إعداد الصناعات الحربية الحديثة هو المطلوب . ومنها أحكام كثيرة في باب الرق والحرب زالت بزوال موضوعها .