وقد نقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية كلاما يميل فيه إلى هذا التعليل ، إذ قال: إن"استشهاد امرأتين مكان رجل واحد إنما هو لإذكار إحداهما للأخرى إذا ضلت ، وهذا إنما يكون فيما فيه الضلال في العادة ، وهو النسيان وعدم الضبط .. فما كان من الشهادات لا يُخافُ فيه الضلال في العادة لم تكن فيه على نصف الرجل" [60] . صحيح أن ابن تيمية لم يسوِّ شهادة المرأة بشهادة الرجل في الأموال فيما نعلم عنه ، لكنه فتح الباب للاجتهاد في ذلك إن دعت لذلك مصلحة أو اقتضته ظروف الزمان المتبدلة ، إذ يقضي كلامه هنا أن زوال الخوف من النسيان وعدم الضبط -كما هو الحال في شهادة امرأة خبيرة بالمحاسبة وإدارة الأعمال مثلا- يجعل شهادة المرأة تساوي شهادة الرجل أو تفوقها .
وقد رفض الإمام محمد عبده ما ذهب إليه أكثر المفسرين الأقدمين من القول بالنقص في خِلقة المرأة ذهنيا وعاطفيا ، وأن ذلك هو السبب في تنصيف شهادتها ، فقال:"تكلم المفسرون في هذا ، وجعلوا سببه المزاج ، فقالوا: إن مزاج المرأة يعتريه البرد فيتبعه النسيان ، وهذا غير متحقق ، والسبب الصحيح أن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات" [61] . فالشيخ عبده ربط الحكم بالظروف الاجتماعية المتغيرة ، ولم يجعل علته أبدية .
والذي يتتبع أبواب الشهادة في الفقه الإسلامي باستقراءٍ متوسِّعٍ ، يجد أن مدار الأمر كله على حفظ الحقوق ، وآية ذلك عدالة الشهود وخبرتهم ، دون اعتبار لذكورة أو أنوثة . لاحظْ مثلا قبول شهادة الصبيان فيما يقع بينهم من جراح في المذهب المالكي ، رغم أن الأصل رفض شهادة الصبي . ولاحظ قبول شهادة القابلة في قضية استهلال الوليد الدالة على ولادته حيا ، حتى قال الإمام أبو حنيفة فيما نقله عنه ابن القيم:"تجوز شهادة القابلة وحدها ، وإن كانت يهودية أو نصرانية" [62] .