الصفحة 23 من 53

فإذا كان للمتمسك بأحديث آحاد ظنية الورود والدلالة في موضوع الردة عذرُه الشرعي وثوابه على اجتهاده ، فالمتمسك بنصوص القرآن المحكمة أوْلى بالعذر وأحق بالأجر . وإذا كان لنا أن نستسيغ تأويل الآيات المحكمات لتتوافق مع أحاديث الآحاد ، أفليس الأوْلى أن نستسيغ تأويل أحاديث الآحاد لتتواءم مع نصوص الآيات ؟ لقد تمسك الترابي - ومثله في ذلك كثيرون - بمنطوق الآيات الناهية عن الإكراه في الدين ، فقال:"من ارتد عن دينه فلا إكراه في الدين ، ولا استتابة أو عقوبة بالسلطان ، وإنما التكليف على المؤمنين أن يلاحقوا المرتد بالدعوة والمجادلة ، حتى يتوب ويستقر أشد إيمانا ، ويخلص صدقا لا مراءاة وخوفا من العقاب العاجل" [58] . وتأولوا الأحاديث الواردة في ذلك بأن المقصود بها فقط الردة الحربية .

ويبقى للقاضي المسلم النزيه أن يوازن هذا الخلاف في عقوبة الردة ، ويعتبره شبهة كافية لدرء العقوبة كما يراه الترابي ونؤيده فيه ، أو يلغي الخلاف ويتمسك بالنظرة الفقهية السائدة دون تدقيق .

تنصيف شهادة المرأة

ومن مسائل هذا الباب تسوية الترابي بين شهادة الرجل وشهادة المرأة مطلقا ، خلافا لما يدل عليه ظاهر آية الدَّين في سورة البقرة من التمييز بين شهادتيْهما في المال:"واستشهدوا شهيدين من رجالكم ، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ، أن تضل إحداهما فتُذكِّر إحداهما الأخرى" [59] . لكن وضع الآية ضمن سياق أعمَّ يظهر أن الأمر من موارد الاجتهاد . فالقول بأن تنصيف الشهادة حكم مُعلَّل بظروف الزمان والمكان في عصر النبوة ، يوم كانت المرأة عديمة الخبرة في عالم التجارة والمال قولٌ وجيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت