الصفحة 61 من 95

فهو أنه ورد من طرق بعضها صحاح ، وبعضها حسان ، وبعضها ضعاف تعتضد بغيرها أن الله يمتحن يوم القيامة من لم تبلغه الدعوة ممن كان من أهل الفترة ، أو كان مجنونا لا يعقل ، أو شيخا كبيرا قد خرف ، أو كان أصم لا يسمع ، فهؤلاء المذكورون في صحاح السنن أنهم يمتحنون مع أن كل واحد منهم لم يكن مكلفا بالإيمان تكليفا يستحق به العقاب أو الثواب ، ولم يكن عندهم من العمل الصالح والإيمان الصحيح ما يدخلون به الجنة ،وكذلك لم يكن عندهم من مساوي الأعمال ما يعاقبون عليه لعدم قيام الحجة عليهم ، ولما كانوا كذلك أعذرهم الله تعالى فامتحنهم يوم القيامة ليتبين ما يصيرون إليه من عقاب أو ثواب ، ولا فرق في ذلك بين الطفل الصغير والمجنون والمعتوه والكبير الذي قد خرف ، فكلهم غير مكلف في حكم الشرع ، فيكون الصغير مثلهم ، ويأخذ حكمهم ، وما تقدم من الأحاديث وإن كان فيها مقال لكنها تعتضد بهذا الأصل [1] .

(1) قال أبو عبد الباري: هذا الاستدلال لأصحاب هذا القول أخذناه من عدة أمور هي:

أولا: قول ابن القيم الهججرتين ( ص 657 ) : فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا ، وتشهد لها أصول الشرع وقواعده أهـ

فقوله (( وتشهد لها أصول الشرع وقواعده ) )يشير إلى ما قلناه والله اعلم ... ...

ثانيا: ما ذكره ابن تيمية في الصفدية ( 2/ 245 ) بعد سرده أحاديث الامتحان التي ليس في شيء منها ذكر المولود: وبذلك استدل أبو هريرة على أن أطفال الكفار لا يعذبون حتى يمتحنوا في الآخرة .

ثالثا: إيراد من اختار هذا القول أحاديث الامتحان والتزامهم لذلك مع عدم ورود المولود من وجه صحيح على ما تقدم .

رابعا: قول ابن كثير في البداية والنهاية (2/100 ) في يأجوج ومأجوج وكيف يعذبون ولم يبعث إليهم رسلا ؟ قال: الجواب: أنهم لا يعذبون إلا بعد قيام الحجة عليهم والإعذار إليهم ، فإن كان قد أتتهم رسل فقد قامت الحجة عليهم ، وإلا فهم في حكم أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة ... حتى آخر كلامه .

وموضع الشاهد هو: أنهم كمن لم تبلغه الدعوة فلا يعذبون بغير الامتحان قياسا على من ذكر في الأخبار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت