وقال أيضا - رحمه الله - في الصفدية ( 2/244-245 ) : ولهذا لما تنازع الناس في أطفال الكفار ، فطائفة جزمت بأنهم كلهم في النار ، وطائفة جزمت بأنهم كلهم في الجنة ، كان الصواب الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة ، وهو قول أهل السنة: أنه لا يحكم فيهم كلهم بجنة ولا نار ، بل يقال فيهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم"كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ؟"قيل يا رسول الله: أفرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير ؟ فقال:"الله أعلم بما كانوا عاملين"، وكذلك ثبت هذا في الصحيحين عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاء في آثار أخرى أنهم يمتحنون يوم القيامة ، وجاءت بذلك أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا كالمجنون والشيخ الكبير والأصم الذي أدركه الإسلام وهو أصم لا يسمع ما يقال ، ومن مات في الفترة ، وأن هؤلاء يؤمرون يوم القيامة ، فإن أطاعوا دخلوا الجنة وإلا استحقوا العذاب، وكان هذا تصديقا لعموم قوله تعالى (( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) )، وبذلك استدل أبو هريرة على أن أطفال الكفار لا يعذبون حتى يمتحنوا في الآخرة . أهـ [1]
(1) هذا النقل من ابن تيمية فيه أمران:
الأمر الأول: ليس صريحا في أنه يرى الامتحان ، بل هو في ظاهر كلامه كأنه يميل للقول بالوقف ، لكنه بضم أقواله الأخرى وما ذكره عقيبه يدل على أنه يرى الامتحان ، وقرينة أخرى هي: نسبته لأهل السنة ، وقد نقل في كلامه السابق من الفتاوى عن الأشعري أنه نسبه لأهل السنة _ أي الامتحان - ، والتوقف المذكور هنا يعني عدم الجزم بشيء من نار أو جنة ، بل تفويض ذلك لما يظهر بعد الامتحان .
ويؤيد هذا أن ابن تيمية ذكر قريبا من هذا الكلام في درء التعارض ( 8/402 ) فقال: فأما جواب النبي صلى الله عليه وسلم الذي أجاب به أحمد آخرا ، هو قوله"الله أعلم بما كانوا عاملين"فإنه فصل الخطاب في هذا الباب ، وهذا العلم يظهر حكمه في الآخرة أهـ .
وقال في الموضع نفسه بعد ذكره لمرويات الامتحان: وهذا تفسير قوله"الله أعلم بما كانوا عاملين"ويأتي قريبا . ... ... ... ... ... ...
الأمر الثاني: في كلامه عن الأحاديث الواردة في امتحان الأطفال ما يدل على موافقته لابن عبد البر من أن ذكر الامتحان في الأحاديث الصحيحة ليس فيها ذكر الأطفال ، وإنما ذكر فيها أربعة هي المذكورة في كلامه ، وأن الاستدلال بها من باب قياس الطفل على من ذكر في الحديث
وقد ذكر في درء التعارض (8/399-402 ) كثيرا من ألفاظ الأحاديث الواردة في امتحان هؤلاء في الآخرة ، منها حديث أبي هريرة والأسود ، ليس في شيء منها ذكر المولود ، ثم قال: وقد جاءت عدة آثار مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين بأنه في الآخرة يمتحن أطفال المشركين وغيرهم ممن لم تبلغهم الرسالة في الدنيا ، وهذا تفسير قوله"الله أعلم بما كانوا عاملين"أهـ والله أعلم .