ووجه الاستدلال بالحديث هو: أن الله فطر المولود أول ما يولد يكون على الفطرة ، وهي على الإسلام في قول ، وعلى السلامة والاستقامة في قول آخر ، وقد اختار كل قول جمع من أهل العلم المحققين ، وهو على كلا القولين دليل على أن أمر الطفل محمول على السلامة مما يستحق به العقاب، ولهذا قال ابن عبد البر في تمهيده ( 18/70-71 ) بعد اختياره القول بأن الفطرة في الحديث هي السلامة والاستقامة قال:"وذلك أن الفطرة: السلامة والاستقامة، بدليل حديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء [1] - يعني على استقامة وسلامة ، والحنيف في كلام العرب المستقيم السالم ، وإنما قيل للأعرج أحنف على جهة الفأل كما قيل للقفر مفازة - فكأنه والله أعلم أراد الذين خلصوا من الآفات كلها والزيادات ، ومن المعاصي و الطاعات ، فلا طاعة منهم ولا معصية إذا لم يعملوا بواحدة منهما ، ألا ترى إلى قول موسى في الغلام الذي قتله الخضر"أقتلت نفسا زكية"لما كان عنده ممن لم يبلغ العمل فيكسب الذنوب ، ومن الحجة أيضا في هذا قول الله عز وجل { إنما تجزون ما كنتم تعملون } { كل نفس بما كسبت رهينة } ، ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرهن بشيء، وقال الله عز وجل { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ، ولما أجمعوا على دفع القود والقصاص والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا ، كانت الآخرة أولى بذلك والله أعلم أهـ كلام ابن عبد البر بحروفه ."
وأما على القول بأن الفظرة هي الإسلام وهو المنسوب لجمهور السلف ، فيكون الاستدلال به أقوى ، ويكون معناه هنا"خلق الطفل سليما من الكفر ، مؤمنا مسلما على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه ، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا: بلى"قاله ابن عبد البر في تمهيده (18/77 ) .
(1) رواه مسلم ( رقم 2865 ) .