الصفحة 15 من 95

والغريب في هذا الباب هو اضطراب الحافظ أبي عمر بن عبد البر في نقل المذاهب في المسألة ، فقد تقدم عنه أنه نقل الإجماع من أهل السنة على أنهم في الجنة ، ثم نقل بعد قليل عن هؤلاء الأئمة أنهم قالوا بالتوقف ، وبهذا الاضطراب انتقده ابن القيم في أحكام أهل الذمة (2/81 ) فقال: وأبو عمر اضطرب في النقل في هذا الباب ... ثم نقل أقواله المتضاربة ثم قال: فتأمل كيف ذكر الإجماع على أن أطفال المسلمين في الجنة ، وأنه لا يعلم في ذلك نزاعا ، وجعل القول بالمشيئة فيهم قولا شاذا مهجورا ، ونسبه في الباب الآخر إلى الحمادين وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وأكثر أصحاب مالك ، وهذا من السهو الذي هو عرضة للإنسان ، ورب العالمين هو الذي لا يضل ولا ينسى اهـ .

وقال ابن كثير في تفسيره (3/32) : فأما ما ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن بعض العلماء أنهم توقفوا في ذلك ، وأن الولدان كلهم تحت المشيئة ...ثم ذكر كلامه المتقدم فقال: وهو غريب جدا ، وقد ذكر أبو عبد الله القرطبي في كتاب التذكرة نحو ذلك أيضا والله أعلم اهـ [1] .

لكن قال البيهقي في الاعتقاد ( ص 195 ) وهو يشرح حديث الفطرة: وعلى مثل ذلك يدل حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في أطفال المسلمين ثم ورى الحديث فقال: فهذا الحديث يمنع قطع القول بكونهم في الجنة ، وحديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغلام الذي قتله الخضر"أنه طبع كافرا"يدل على ذلك فقد كان أبواه مؤمنيناهـ.

قال أبو عبد الباري: التحقيق: أن الخلاف ثابت عن بعض الفرق الشاذة ، وأما عن أهل السنة فالذي عليه الجماهير أنه لا خلاف بينهم في ذلك أي أنهم في الجنة ، وإنما حكى الخلاف الحافظ أبو عمر ابن عبد البر لكنه اضطرب فيه فنقل أيضا الإجماع، ولولا أنه اضطرب في النقل لكان حجة ، ولكن مع الاضطراب لا يثبت الخلاف والله أعلم .

(1) ذكره القرطبي في التذكرة ( ص 592 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت