فلما دخل الاستعمار بلاد المسلمين، ودخلت أفكاره في البلاد التي لم يدخلها من بلاد المسلمين؛ أخذ الفكر الاستعماري -الذي ستحق بعد رحيل المستعمر- يحارب العلماء ويقلل من شأنهم، ويعزلهم عن الأعمال القيادية في المجتمع، ويجهز لهذه الأعمال أشخاصًا علمهم -بلغته وثقافته- المناهضة للدين وللعلماء، ويعطيهم الصدارة، ويعمل على تجفيف التعليم الشرعي ، ويضايق العلماء في مرتباتهم وأرزاقهم، ويسخر منهم في وسائل الإعلام المختلفة التي يشرف عليها، ويجعلهم مع طلابهم موضع تندر وفكاهة.
وأذكر أنني مررت بالقاهرة أواخر القرن الجاري الماضي، فلفت نظري -أنني منذ خرجت من المطار إلى أن انتهيت إلى المكان الذي نزلت منه- انتشار صُوَر شيخ أزهري بعمامته ولحيته، وبجانبه علبة أو إبريق الشاي، ومكتوب تحت ذلك (شاي الشيخ الشِّرِّيب) أي: أن العالم الشرعي صارت صورته دعاية للشاي!! هل كان يمكن أن تستخدم صورةُ ذي وجاهة أو وزير مثلًا، ويوصف بذلك الوصف الذي وصف به الشيخ كمادة للدعاية المُسفة؟! كل ذلك يجري إضافة على السخرية من العلم الشرعي والدين نفسه ونشر الشبهات حوله في كل اتجاه، بأساليب متنوعة مما غير نظرة أبناء المسلمين للعلماء وللعلم الشرعي، فبعد أن كان يندب له أذكى الطلاب، ويعامل المتخرج منه أحسن المعاملة، ويرتقي في المجتمع حتى يصير مرجعًا للناس، أصبح لا يلتحق بالمنشآت التعليمية الشرعية -القليلة المتبقية التي شوهت- إلا الطلاب ذو الدرجات المنخفضة ، أو المصابون بعاهات إلا في بعض البلاد التي لم تتعمق فيها ثقافة المستعمر ، وقد عمت هذه السياسة معظم بلاد المسلمين ، ولولا القوة الذاتية للإسلام وحفظ الله له لكان قد قُضى عليه وعلى علمائه تمامًا ، لكن الله سبحانه قيض علماء ودعاة وحلقات مسجديه ومؤسسات أهلية ، وكانت نتيجة ذلك تخرُّج علماء أقوياء لازالوا يشكلون مرجعية ، ويواصلون مسيرة العلم الشرعي والدعوة إلى الله قدر الإمكان .