إن العلماء هم مرجعية الناس في الأمور الدينية التي تحكم حياتهم، كما أن المتمكنين من العلوم والفنون الأخرى هم مرجعية الناس في تلك العلوم والفنون، والناس لا يعترضون على مرجعية العلماء بالطب في مجال الطب، ولا على مرجعية العلماء بالهندسة في مجال الهندسة، ولا على مرجعية العلماء بالفلك في مجال الفلك وهكذا، فكذلك لا يجوز الاعتراض على مرجعية علماء الشرع والدين في المجالات التي نظمها الشرع والدين في حياة الناس.
وإذا كانت العلوم متفاوتة في أهميتها وفي مكانة كل علم منها، فكذلك تتفاوت أهمية ومكانة حاملي العلوم.
يدل على أنهم كالجسد رأس يقوم الجسد ويربط بين أجهزته وأعضائه، وهذا الرأس استحق تلك المكانة بحكم التخصص والمقدرة، وليس في ذلك إذلال ولا تحقير للأجهزة والأعضاء الأخرى، فكذلك المجتمع المسلم كيان وجسد له رأسه المتخصص وهم العلماء بالشرع، وإذا اتخذ المسلمون في مجتمعاتهم رؤوسًا أخرى غير المتخصصين في الشرع، أو غير الذين لا يرجعون على الأقل إلى المتخصصين؛ فقد اتخذوا رؤوسًا جهالًا -كما في الحديث المتفق عليه المذكور من قبل- { فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلوا } ^، وذلك مثل ما لو اتخذ الناس قائد طائرة لم يدرس الطيران، أو طبيبًا جرّاحًا لم يدرس الطب والجراحة؛ فيكون هذا الاتخاذ سببًا في جلب الإضرار والهلاك.
الأسباب التي ذهبت بالعلاقة السلمية بين العلماء والمثقفين:
كان العلماء محل إجلال واحترام سائر فئات المجتمع المسلم، بمن في ذلك المثقفون؛ لأن التربية الإسلامية صنعت فيهم ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: { ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه } ^، رواه أحمد والحاكم عن عبادة بن الصامت، وذكر الألباني في (صحيح الجامع) أنه حسن.