الصفحة 9 من 17

أمام التشويه المذكور ضعفت مكانة العلماء -كما ذكرنا- وكادت تضيع، وجاء الفكر الديمقراطي المذوق إضافة إلى ضعف الوعي الإسلامي ليعمق قضية المساواة بين غير المتساوين، جاء ذلك الفكر ليسوي بين العالم القوي المتمكن والجاهل المغرور المتعلق، بل يسوي بين المسلم وغير المسلم، وأصبح يُنظر إلى تلك التسوية أنها مكسب عظيم للإسلام، وأنه صار للعالم فرصة أن يتكلم، ويعرض ما لديه بدلًا من السخرية منه، أو رميه في أحد السجون، وأنه يمكنه أن ينافس الآخرين وينزل بدعايته وشهادته وصوره مثلهم إلى الشوارع وإلى المكاتب، ثم قد يسمح له ولقليل من أمثاله، بعد جهد جهيد وبذْلٍ ليس وراءه مزيد، يسمح لهم بفرص محددة محسوبة للوصول إلى بعض الكراسي أو المواقع؛ لكي يطرحوا بعض ما لديهم مما يسمح به الفكر الديمقراطي وبضوابطه، لكي يطرحوا بعض ما يحملونه من النصوص الشرعية المعصومة بجوار ما يطرحه الآخرون مما قد يتناقض مع ذلك، ويكون الطرحان على قدم المساواة.

وهنا تأتي المفارقة، ففي حين يفرح الفرحون بما يضنونه الفرصة الذهبية لعرض بعض الحق كيفما كان العرض، يصاب بالغم ذوو النظر الآخر؛ إذ يجدون الظلم بلغ مداه في التسوية بين العالم وغير العالم، والتسوية بين طرح نصوص الوحي وطرح ما قد يعارضها من كلام البشر جنبًا إلى جنب للاختيار، وقد يومض في ذهن بعض المغتمين مثل السياق القرني الذي وردت فيه الآيات: (( قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ) ) [الشعراء:96] ^ * (( تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ) [الشعراء:97] ^ * (( إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) ) [الشعراء:98] ^، وتُلح عليهم ضرورة البحث والسؤال عن مدى التقارب أو التباعد بين التسويتين والصورتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت